الحقوق المعلقة والعدالة المفقودة: رسالة متقاعدي ليديك للبرلمان

0

الانتفاضة // محمد الشندودي

ما وقع صباح الثلاثاء 3 فبراير 2026 امام قبة البرلمان ليس حدثا عاديا يمكن تجاوزه ببلاغ او تصريح عابر. ان يقف متقاعدون انهكتهم السنون وتراكمت عليهم الالتزامات الصحية والاجتماعية في طقس بارد وماطر، لا يرحم اجسادا اثقلها المرض وطالها الاهمال مطالبين بحقوق واضحة، فذلك اعلان صريح عن انسداد مسار المعالجة ودليل على ان الصمت لم يعد اهمالا عابرا بل تحول الى قرار فعلي بتعليق الانصاف.
الوقفة لم تكن استعراضا ولا بحثا عن تعاطف، بل كانت فعلا سياسيا بامتياز. رسالة واضحة الى الدولة ومؤسساتها مفادها ان تجاهل الملفات العادلة لا يلغيها، وان تاجيل الحقوق لا يسقطها، وان من خدموا الوطن لا يمكن دفعهم بعد التقاعد الى هامش الانتظار الدائم.
جوهر الازمة معروف ولا يحتاج الى التواء. متقاعدو ليديك سابقا اقصوا من الاستفادة من الزيادة المعتمدة سنة 2011، بينما تعمم النظراء في باقي وكالات توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل. هذا الاستثناء، مهما كانت المبررات المعلنة، يظل غير قابل للتبرير اجتماعيا ويمس في العمق مبدأ المساواة الذي يفترض ان يكون اساس السياسات العمومية لا شعارا مناسباتيا.
ثم جاءت مرحلة الانتقال من صندوق CCR الى صندوق RCAR، التي كان من المفترض ان تصحح المسار، فاذا بها تتحول الى مصدر قلق اضافي. نتائج العملية كما عاشها المتقاعدون لم تحسن اوضاعهم بل افرزت معاشات اضعف واقتطاعات اثقل وغموضا اكبر. وهنا لم يعد السؤال تقنيا بل سياسيا: من يتحمل كلفة هذه الاختيارات ولماذا يتحمل دائما الطرف الاضعف؟
الاتفاق الموقع بتاريخ 07 مارس 2024 رفع سقف الانتظارات لكنه ظل معلقا دون اثر فعلي. والمذكرة الانتقالية المؤقتة الصادرة فاتح ابريل 2024 لم تنه الازمة بل عمقت الاحساس بان المعالجة تدار بمنطق الحد الادنى لا بمنطق الحل. وهو ما جعل الزمن الاداري يبدو منفصلا تماما عن الزمن الاجتماعي، بل في مواجهة مباشرة معه.
حضور فعاليات مدنية وحقوقية في الوقفة، من بينها محمد الشندودي رئيس المجلس الوطني لهيئة المتقاعدين المغاربة وعزيز ابو معد عضو المكتب التنفيذي للهيئة، لم يكن دعما رمزيا بل تاكيدا على ان الملف لم يعد شانا خاصا بمتقاعدين جهة بعينها بل اصبح عنوانا لاختلال اوسع في التعاطي مع قضايا التقاعد والحماية الاجتماعية.
مطالب المحتجين واضحة ولا تقبل التاويل او التفريغ: ادماج زيادتي 2011 و2023 في وعاء التقاعد، جبر الضرر عن سنوات الحرمان، ومراجعة شاملة لكيفية تدبير ملف التقاعد والاعمال الاجتماعية بما يضمن الوضوح وربط المسؤولية بالمحاسبة في اطار القانون. هذه ليست مطالب قصوى بل الحد الادنى من العدالة.
الرسالة التي خرجت من امام البرلمان كانت قاسية في معناها؛ المتقاعدون يشعرون بانهم خارج حسابات القرار وان كرامتهم تدار بمنطق التاجيل. وهذا اخطر ما يمكن ان تصل اليه علاقة الدولة بفئة قدمت الكثير دون ضجيج.
ومن يراكم التاجيل اليوم، سيجد غدا مطالب صامتة لكنها حازمة لا يمكن تجاهلها. اما الاستمرار في انكار حجم الازمة، فسيقود حتماً الى تفاقم فقدان الثقة وتحويل الحقوق المسلوبة الى قضية وطنية لا يمكن تجاهلها.
العدالة ليست شعارا يرفع في المناسبات، بل فعل يقاس بالملفات وبحياة الناس، والمتقاعد الذي خدم الوطن يستحق اكثر من وعود مؤجلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.