مكناس،،، لكن الله يا عاملات السيكوم

الانتفاضة

أستيقظ كل صباح مثقلاً بشعورٍ ثقيل، أمدّ يدي عاجلاً نحو الهاتف، لا بدافع الفضول ولا بدافع التسلية، بل بدافع القلق والخوف. أفعل ذلك وأنا أستحضر في ذهني أولئك الذين يقضون ليلهم في الشارع، تحت ظروف مناخية قاهرة، بين انخفاضٍ شديد في درجات الحرارة وكثرةٍ في التساقطات. بينما نلتمس الدفء داخل بيوتنا، هناك عمال وعاملات يفترشون الأرصفة، يواجهون البرد والمطر بلا غطاء ولا مأوى، وكأن القدر اختار أن يختبر إنسانيتنا من خلالهم.

أبحث كل صباح عن أخبار عمال وعاملات شركة سيكوميك، عن معركة إنسانية دامت لأربع سنوات من الطرد والتشريد في شوارع مدينة مكناس. معركة لم تعد خبراً عابراً، بل جرحاً مفتوحاً وهاجساً يومياً. أكثر من 500 عاملة وعامل، أغلبهم نساء، أفنوا زهرة أعمارهم داخل أسوار المصنع، خدموا الشركة لأزيد من أربعين سنة، قبل أن يجدوا أنفسهم فجأة في الشارع، بلا عمل ولا كرامة ولا أفق.هؤلاء لم يُقصَوا فقط من أماكن عملهم، بل أُقصوا أيضاً من دوائر الاهتمام السياسي.

فالأحزاب السياسية، التي من المفترض أن تكون صوتاً للطبقات المتضررة ودرعاً اجتماعياً في مثل هذه الأزمات، التزمت صمتاً مريباً. لم نرَ تسارعاً حقيقياً لحل أزمتهم، ولا مبادرات جادة تُنهي هذا النزيف الإنساني، وكأن معاناتهم لا تدخل ضمن حسابات البرامج ولا المواسم الانتخابية.

وعندما نقارن وضعيتهم بأحداث 8 مارس الشهيرة، تتجلى المفارقة المؤلمة. ففي مطلع القرن العشرين، وبالضبط سنة 1911، شهدت الولايات المتحدة حريقاً مروعاً داخل أحد مصانع النسيج، حيث لقيت عشرات العاملات حتفهن بسبب ظروف العمل اللاإنسانية وإغلاق أبواب النجاة. كان ذلك الحريق صدمة للعالم، وخلّد ذكرى العاملات الضحايا، ليصبح 8 مارس يوماً عالمياً للمرأة، رمزاً للنضال والكرامة وحق العاملات في الحياة والعمل الآمن.

أما عاملات وعمال سيكميك، فهم لم يحترقوا دفعة واحدة، ولم يُستشهدوا في لحظة واحدة، بل يموتون ببطء كل يوم. يموتون وهم أحياء، تحت وطأة التشريد، والإهمال، والصمت السياسي القاتل. معاناتهم أقل صخباً، لكنها أشد قسوة، لأن الألم الممتد أقسى من الموت المفاجئ، ولأن الظلم حين يطول يتحول إلى شكل آخر من أشكال الإعدام البطيء.

التعليقات مغلقة.