من النظام الدولي إلى نظام القوة العارية

الانتفاضة // ✍️ // حسن بناجح

لم نصل اليوم إلى لحظة انهيار مفاجئ للنظام الدولي، بقدر ما بلغنا لحظة انكشافه النهائي. فما يسمى بالنظام الدولي لم يسقط مع وصول ترامب، بل كان في حالة موت سريري منذ زمن، وكانت تؤجل إعلان وفاته فقط لغة الدبلوماسية الناعمة، وبلاغة المواثيق، وديكور المؤسسات الأممية.

وجاءت حرب الإبادة في غزة لتكون لحظة الامتحان الأخلاقي الأعظم؛ اللحظة التي وُضعت فيها كل شعارات العالم المعاصر على المحك: القانون الدولي، حقوق الإنسان، حماية المدنيين، والشرعية الأممية… فإذا بها تتساقط واحدة تلو الأخرى، لا بسبب عجز تقني أو خلل إجرائي، بل بفعل اختيار سياسي وتواطؤ أخلاقي مكشوف.

النظام الدولي الترامبي .. سقوط الأقنعة ودفن الأوهام:

ما يسمى اليوم بـالنظام الدولي الترامبي ما هو إلا النسخة الصريحة والفجة لنظام كان يُمارَس جوهره ذاته، لكن بوجه مزيّن:

ما كان يدار بازدواجية المعايير واللغة الناعمة، صار يدار بالتصريح الوقح.
ما كان يغلَّف بالمواثيق والبيانات، صار يعلَن كحق طبيعي للأقوى.
وما كان يبرَّر بمنطق “الاستثناء”، صار قاعدة معلنة لا تحتاج حتى إلى تبرير.

لم يهدم ترامب البيت، كما قد يتوهم البعض،
بل نزع الواجهة الكاذبة، وكشف أن الأساس كان دائما واحدا: القوة فوق القانون، الحليف فوق الضحية، والمصلحة فوق الإنسان.

الأمم المتحدة: من العجز إلى السقوط الأخلاقي:

لم تسقط الأمم المتحدة لأنها فشلت في وقف الإبادة فقط، بل لأنها قبلت أن تؤدي دور شاهد الزور: مجلس أمن مشلول عمدا لا عجزا، قرارات وتقارير أممية تُكتب لتُدفن،
وأطفال يُذبحون فيما تنشغل اللغة الأممية بالتعبير عن القلق وبالبحث عن “التوازن” و”ضبط النفس”.

هنا لم يكن السقوط إداريا أو تقنيا، بل كان سقوطا في المعنى والوظيفة والادعاء.
سقط الادعاء بوجود نظام يحمي الضعفاء، أو قانون يسمو على القتلة، أو شرعية دولية تقف على مسافة واحدة من الدم.

غزة .. المرآة الكونية الكاشفة:

لم تفضح غزة الاحتلال وحده، بل فضحت العالم بأسره: فضحت الغرب وقيمه الانتقائية، وفضحت نخبه الصامتة أو المبررة، وفضحت تآمر أنطمة العرب،.
ومن هنا، فإن القول بأن ما فعله ترامب هو دفن النظام الدولي توصيف بالغ الدقة؛ دفن علني، بلا جنازة، ولا نفاق لغوي، لما كان يحتضر في الخفاء منذ سنوات.

ما بعد السقوط:

الخطر الحقيقي اليوم لا يكمن في انهيار النظام القديم، بل في محاولة إقناعنا بالبكاء عليه، أو التأسف على مواثيق لم تحم أحدا غير الكبار، ومؤسسات لم تنتصر إلا للأقوياء.

السؤال الجوهري ليس: كيف نعيد إحياء النظام الدولي؟ بل: كيف نقرأ العالم بعد سقوط الأقنعة؟
كيف نبني خطابنا، ونضالنا، وتحالفاتنا بعيدا عن الأوهام المتبددة؟ وكيف نعيد تعريف العدالة، لا كمنحة مشروطة، بل كحق يُنتزع بالصمود والكلفة والتضحية والتراكم؟

نحن لا نعيش نهاية مرحلة فحسب، بل بداية زمن فظّ، صريح، بلا تجميل. زمن قاسٍ، لكنه أوضح من كل ما سبقه.
إنه زمن سقوط الأوهام. ومن لا يزال يراهن على النظام الدولي بعد ما جرى في غزة، فهو لا يخطئ في التقدير فقط، بل يهرب من مواجهة الحقيقة.

التعليقات مغلقة.