الصفير على النشيد الوطني لأي بلد سلوك مرفوض أخلاقيا ورياضيا

_upscale

الانتفاضة  __  جمال سطيفي

تابعت مباراة الترتيب بين مصر ونيجيريا من مدرجات ملعب محمد الخامس، وفي المدرجات تختلط الأصوات بالوجوه، وتتحول كرة القدم من مجرد تسعين دقيقة إلى مرآة للسلوك الإنساني.

ولابد أن أقول بكل وضوح أن الصفير على النشيد الوطني لأي بلد سلوك مرفوض أخلاقيا ورياضيا، بغضّ النظر عن السياق أو الاستفزازات السابقة.

النشيد ليس لاعبا ولا مدربا ولا مسؤولا، بل رمز شعب وتاريخ وهوية، والاعتداء الرمزي عليه لا يخدم أي قضية، ولا يداوي أي جرح قديم، ولا يمنح شعور زائفا بالانتصار.

استحضر عديدون ما وقع في كان مصر 2006، حين صُفّر على النشيد المغربي، لكن الماضي ليس رخصة أخلاقية لتكرار الخطأ. كما أن استدعاء الماضي لتبرير أخطاء الحاضر منطق أعوج.

تلك مرحلة ولّت، والرياضة لا تتطور بالثأر الرمزي ولا بتراكم الأحقاد، بل بالارتقاء في السلوك والوعي الجماهيري.

قادتني تذكرتي للجلوس إلى جانب مشجعين مصريين. وحتى أكون أمينا فقد كانوا متفهمين لردود الفعل وأسبابها، لكنهم كانوا يأملون ألّا يصل الأمر إلى هذا الحد، وأن يبقى الغضب موجّها نحو من أشعل الفتيل، لا نحو نشيد بلد بأكمله.

قال أحدهم بهدوء: “الموضوع كان يجب أن يقف عند حسام وإبراهيم”..

ما صدر عن حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن سلوك مدان ومرفوض، لا يحتاج إلى كثير نقاش.

الأخطر أنه لا يبدو حادثا معزولا، بل امتدادا لمسار معروف بالانفعالات، والتوقيفات، والتصريحات غير المسؤولة.

وهنا تطرح بإلحاح إشكالية من يُسند إليه شرف ومسؤولية قيادة منتخب وطني؟

فالمنتخب ليس فريق أحياء شعبية، بل واجهة دولة وصورة شعب، وكلمة المدرب قد تكون بحدّ السيف.

اللقطة التي لن تغادر ذاكرتي لم تكن هدفا ولا احتفالا. كانت طفلة مصرية صغيرة، لم تتوقف عن التشجيع طوال المباراة إلى جانب شقيقتها التي نالت جائزة أفضل مشجعة في المباراة، كما تم الإعلان عنه في شاشة الملعب.

لكن حين اقتربت نيجيريا من حسم المركز الثالث، في الضربات الترجيحية، وضعت رأسها بين يديها وبدأت في ذرف الدموع. والدتها أخذتها في حضنها، ربّتت على كتفها، وهمست لها بما لا نسمعه نحن، لكنه كان كافيا ليقول كل شيء عن معنى الانتماء، وعن هشاشة المشاعر حين تُجرّ الجماهير إلى معارك لا تخصّها.

بعد نهاية المباراة، ودعت مشجعا مصريا كان يجلس إلى جانبي. لم نحتج إلى كلمات كبيرة. كرة القدم كانت قد قالت كل شيء:”يمكننا أن نختلف، أن نغضب، أن نرد بقوة وحزم على التجاوزات، لكن دون أن نخرج عن الإطار، ودون أن ندوس رموزا لا ذنب لها”.

في النهاية، كرة القدم خُلقت لتكون مساحة تنافس لا ساحة تصفية حسابات، ولتقرّب بين الشعوب لا لتغذي الضغائن بينها.

ونحن في المغرب، في مثل هذه اللحظات بالذات، يجب أن ننتصر للوعي..

التعليقات مغلقة.