الانتفاضة [[ علي أنوزلا
برحيل المناضل التونسي كمال لعبيدي، تفقد تونس، وتفقد معها الصحافة العربية وفضاء حقوق الإنسان، واحدًا من أنبل أبنائها وأكثرهم اتساقًا مع ضميره وانسجاما مع مبادئه ومواقفه وأفكاره.
كان كمال لعبيدي إعلاميًا وصحافيًا من طراز نادر، ومدافعًا صلبًا عن حقوق الإنسان، لكنه قبل كل شيء كان إنسانًا زاهدًا في الأضواء والمناصب، منحازًا إلى القيم لا إلى المكاسب، وإلى الحرية لا إلى الامتيازات. قضى سنوات عمره معارضًا لنظام الاستبداد في عهد بنعلي، متنقلًا بين المنافي، يحمل وطنه في قلبه، ويؤمن بأن الحرية لا تُوهَب بل تُنتزع بالصبر والثبات.
وعندما أشرقت شمس الثورة التونسية، لم يتردد في تحمّل المسؤولية، فترأس الهيئة المستقلة لإعادة هيكلة الإعلام في واحدة من أدق مراحل الانتقال الديمقراطي. أدّى مهمته بشجاعة ونزاهة، واضعًا أسس إعلام حرّ ومستقل، ثم غادر موقعه بعد عام واحد بهدوء الكبار، غير طامع في منصب أو جاه أو تعويض، في درس أخلاقي نادر عن معنى الخدمة العامة.
لم ينسحب كمال لعبيدي من المعركة، بل اختار ميدانًا أوسع، فأسس منظمة «يقظة» من أجل الحريات، وظلّ صوتًا يقظًا في مواجهة كل الانتهاكات التي طالت حرية الرأي والتعبير، في تونس بعد الثورة، وفي عموم المنطقة العربية. كان حضوره ثابتًا، وحجته رصينة، وموقفه واضحًا لا لبس فيه: ضد الظلم، ضد القهر، ضد الاعتقال، ومع الحرية والديمقراطية وكرامة الإنسان.
ربطته بالمغرب علاقات حب ومودة صادقة، وبالصحافيين المغاربة روابط تضامن حقيقي، دافع عنهم وناصر قضاياهم من خلال التقارير والمواقف التي اتخذها، خاصة حين كان عضوًا في لجنة الصحافة الدولية. كان يعتبر حرية الصحافة معركة واحدة، لا تعترف بالحدود ولا بالجنسيات.
عرفه كل من اقترب منه بدماثة أخلاقه، وكرمه الإنساني، وثقافته الواسعة، ومبدئيته الصارمة. كان هادئ الصوت، عميق الأثر، لا يساوم حين يتعلق الأمر بالحرية، ولا يتردد حين يكون الصمت خيانة.
رحل كمال لعبيدي، وبقي أثره، وبقيت سيرته شهادة حيّة على أن النضال يمكن أن يكون نظيفًا، وأن السلطة ليست غاية، وأن الكرامة الإنسانية أعلى من كل المناصب.
تغمده الله بواسع رحمته،
السلام عليه يوم وُلد، ويوم مات، ويوم يُبعث حيًّا.
وداعًا كمال…
التعليقات مغلقة.