5 مسارات تتصارع في مضيق هرمز.. كيف تحوّل أهم ممر نفطي في العالم إلى ساحة نفوذ دولي؟

0

الانتفاضة/ مهدي الكريمي (متدرب) 

يشهد مضيق هرمز، أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم، تحولات غير مسبوقة في خريطة الملاحة البحرية، بعدما باتت السفن والناقلات تعبر عبر خمسة مسارات مختلفة، لكل منها مرجعيته القانونية والسياسية والأمنية. ويعكس هذا المشهد حجم التنافس الإقليمي والدولي على السيطرة على شريان يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية.

وكان المسار الدولي التقليدي، المعتمد منذ عام 1968 من قبل المنظمة البحرية الدولية، يمثل لعقود الطريق الرئيسي لعبور السفن بين بحر عُمان والخليج العربي، عبر ممرين متوازيين يفصلان بين حركة الدخول والخروج، إلا أن التطورات العسكرية الأخيرة في المنطقة فرضت واقعا جديدا، أعاد رسم الخريطة الملاحية بالكامل.

ففي أعقاب الحرب الأخيرة، أعلنت إيران اعتماد مسار بحري خاص يمر جنوب جزيرة هرمز للسفن الداخلة وجنوب جزيرة لارك للسفن المغادرة، معتبرة أنه الطريق الشرعي الذي يخضع لإشرافها المباشر ويكرّس سيادتها على المنطقة.

في المقابل، سارعت القيادة المركزية الأمريكية إلى الإعلان عن ممر جنوبي جديد، وصفته بأنه الأكثر أمانا وخاليا من الألغام البحرية، حيث يمر داخل المياه الإقليمية العُمانية بعيدا عن مناطق الاحتكاك مع القوات الإيرانية، في خطوة اعتبرها مراقبون محاولة لإعادة توجيه حركة الملاحة خارج نطاق النفوذ الإيراني.

ولم تقف التحركات عند هذا الحد، إذ تقدمت سلطنة عُمان بمقترح لإنشاء ممر مؤقت بمحاذاة سواحلها، يتم من خلاله تنظيم حركة السفن بالتنسيق مع المنظمة البحرية الدولية، بما يضمن سلامة العبور وتقليل مخاطر الاحتكاك في ظل التوترات الأمنية المتصاعدة.

وبين هذه المسارات الرسمية، يبرز مسار خامس غير معلن، تستخدمه بعض السفن التي تعمد إلى إيقاف أجهزة التعريف الآلي أو إخفاء مواقعها مؤقتا، ما يجعل تتبعها أمرا بالغ الصعوبة، ويثير تساؤلات حول طبيعة الشحنات التي تنقلها أو الجهات التي تقف خلفها.

وتكشف بيانات الملاحة البحرية عن تغير واضح في سلوك السفن خلال الأيام الأخيرة. فقبل إعلان الولايات المتحدة اعتماد الممر الجنوبي، كانت غالبية السفن تتجنب المرور عبره، بينما اعتمدت نسبة كبيرة منها على المسارات غير المحددة أو الممر الإيراني. لكن بعد الإعلان الأمريكي، ارتفع الإقبال على المسار الجنوبي بشكل ملحوظ، في مؤشر على استجابة شركات الشحن للتقييمات الأمنية الجديدة.

ويرى خبراء أن الصراع الدائر حول هذه المسارات لا يتعلق فقط بحرية الملاحة، بل يمتد إلى النفوذ السياسي والعسكري في الخليج. فإيران تعتبر أن أي ممر بديل يقلص من قدرتها على مراقبة حركة السفن ويضعف أوراقها الإستراتيجية، في حين تسعى الولايات المتحدة إلى تكريس مسارات تضمن استمرار تدفق التجارة العالمية بعيدا عن أي تهديدات محتملة.

ويؤكد مراقبون أن مضيق هرمز لم يعد مجرد ممر مائي، بل أصبح ساحة تنافس جيوسياسي مفتوح، تتقاطع فيها المصالح الدولية مع الحسابات الأمنية والعسكرية. وفي ظل استمرار التوتر، يبقى اختيار السفن لمسار العبور قرارا بالغ الحساسية، قد تحدده اعتبارات السلامة بقدر ما تفرضه موازين القوى في واحدة من أكثر مناطق العالم أهمية بالنسبة لاقتصاد الطاقة العالمي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.