الانتفاضة/ جميلة ناصف
يسلط العدد الجديد من مجلة الشرطة لشهر يناير 2026، الصادر عن المديرية العامة للأمن الوطني باللغتين العربية والفرنسية، الضوء على موضوع ذي دلالة عميقة يتمثل في الجانب الاجتماعي للأمن الوطني رافعة للاستثمار المستدام في الرأسمال البشري، في مقاربة تعكس التحول النوعي الذي تشهده المؤسسة الأمنية في تدبير مواردها البشرية، وترسيخ قناعة راسخة بأن الأمن الفعال يبدأ من الاهتمام بالإنسان.
وأكدت افتتاحية العدد الخامس والخمسين من المجلة أن العناية بالبعد الاجتماعي لم تعد خيارا ثانويا أو إجراء تكميليا، بل أضحت ركيزة استراتيجية في تدبير الموارد البشرية داخل المؤسسات الحديثة، لما لها من تأثير مباشر على الاستقرار المهني، والرفع من مستوى الأداء، وتعزيز الشعور بالانتماء والمسؤولية. ويكتسي هذا التوجه أهمية خاصة داخل سلك الأمن الوطني، بالنظر إلى طبيعة المهام الأمنية الدقيقة وما تفرضه من ضغط نفسي وجسدي وتحديات ميدانية متزايدة، الأمر الذي يجعل من الاهتمام الاجتماعي عاملا حاسما في ضمان الجاهزية والاحترافية.
وأبرزت الافتتاحية أن موظف الشرطة يشكل العنصر المحوري في المنظومة الأمنية، وأن العناية به اجتماعيا وصحيا ونفسيا تشكل مدخلا أساسيا لتحقيق النجاعة الأمنية وخدمة الصالح العام. ومن هذا المنطلق، خصص هذا العدد حيزا مهما لاستعراض مختلف أوجه السياسة الاجتماعية التي تعتمدها المديرية العامة للأمن الوطني، باعتبارها أحد الأعمدة الأساسية في رؤيتها المؤسسية، وتجسيدا لالتزامها المتواصل برعاية نساء ورجال الأمن وأسرهم، والاعتراف بتضحياتهم الجسيمة في سبيل حماية الوطن والمواطنين.
وانطلاقا من قناعتها بأن الاستثمار في الرأسمال البشري هو أساس النجاح والاستدامة، تعتمد المديرية العامة للأمن الوطني رؤية اجتماعية شمولية في تدبير الموارد البشرية، تقوم على قيم الاحترام والتقدير والتضامن والإنصاف. وتهدف هذه الرؤية إلى توفير بيئة عمل ملائمة تراعي الجوانب الاجتماعية والصحية والنفسية لموظفي الأمن، مع الحرص على تحقيق توازن فعلي بين متطلبات الخدمة الأمنية وحقوق واحتياجات العاملين داخل المؤسسة.
ولم يقتصر هذا الاهتمام على الموظفين العاملين فقط، بل امتد ليشمل المتقاعدين وذوي الحقوق، في التفاتة إنسانية تعكس الوفاء لما قدموه من تضحيات طيلة مسارهم المهني، وحرصا على ضمان استمرارية الرعاية الاجتماعية بعد التقاعد، بما يعزز الشعور بالأمن الاجتماعي ويكرس مبدأ الاستمرارية في العناية بالمورد البشري.
وفي هذا السياق، استعرضت المجلة مجموعة من المبادرات والبرامج الاجتماعية التي تعكس هذا التوجه، وتشمل الدعم الصحي والنفسي، والمساعدة الاجتماعية، وتحسين ظروف السكن، إضافة إلى توفير خدمات ترفيهية وثقافية ورياضية لفائدة موظفي الأمن وأسرهم. كما يتم إيلاء أهمية خاصة لتعزيز آليات التواصل الداخلي والتكافل المهني، بما يضمن مواكبة مستمرة لموظفي الأمن في مختلف مراحل حياتهم المهنية والاجتماعية.

وأوضحت الافتتاحية أن المديرية العامة للأمن الوطني عملت على تطوير منظومة اجتماعية متكاملة، من خلال الإشراف على عدد من المؤسسات الاجتماعية والطبية المتخصصة، وفي مقدمتها مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني، والجمعية الأخوية للتعاون المشترك، وميتم موظفي الأمن الوطني، إلى جانب مفتشية مصالح الصحة للأمن الوطني، بما يضمن تنويع مجالات الدعم وتجويده.
كما أبرز العدد الإصلاحات المهمة التي أطلقتها المديرية في مجال التغطية الصحية التكميلية والتأمين عن الوفاة، من خلال توسيع قاعدة المستفيدين لتشمل الأرامل والمتقاعدين والمتقاعدات وأفراد أسرهم، وكذا أيتام موظفي الشرطة، في خطوة تعكس البعد الإنساني والاجتماعي العميق للسياسات المعتمدة.
وأكدت المجلة أن الاهتمام بالبعد الاجتماعي داخل المديرية العامة للأمن الوطني ليس وليد اللحظة، بل عرف منذ سنة 2015 دينامية جديدة مع تولي عبد اللطيف حموشي قيادة المؤسسة الأمنية، حيث تم إدراج هذا البعد ضمن الخطة الاستراتيجية للمديرية كأحد محاورها الأساسية، مما أضفى زخما قويا على مختلف البرامج الاجتماعية، ورسخ ثقافة مؤسسية قوامها الاعتراف بالعنصر البشري باعتباره حجر الزاوية في تحقيق الأمن والاستقرار.
وتضمن العدد أيضا ركنا خاصا بعنوان “إضاءات”، تناول موضوع الاستراتيجية الاجتماعية للأمن الوطني من نسق الالتقائية ودراسة الأثر إلى مبدأ ثقافة النتائج، إضافة إلى ملف خاص حول مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية لموظفي الأمن الوطني باعتبارها رافعة اجتماعية برعاية ملكية ودعم مؤسساتي، وملف آخر حول الارتقاء بصحة موظفي الأمن الوطني استراتيجية مؤسسية ببعد إنساني.
ويعكس هذا العدد من مجلة الشرطة توجها مؤسساتيا واضحا نحو ترسيخ نموذج أمني حديث، يجعل من الاستثمار في الإنسان أساسا للأمن المستدام، ويؤكد أن قوة المؤسسة الأمنية لا تقاس فقط بقدراتها التقنية، بل أيضا بمدى العناية برجالها ونسائها، باعتبارهم الثروة الحقيقية لأي منظومة أمنية ناجحة.