الانتفاضة [[ بقلم : حسن بنسعود رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان لشيشاوة
لم يعد النجاح الرياضي في المجتمعات المعاصرة حدثاً ترفيهياً معزولاً عن الديناميات الاجتماعية، بل أضحى ظاهرة سوسيولوجية مركبة، تتقاطع فيها أبعاد الهوية، والاندماج الاجتماعي، والرأسمال الرمزي، والحكامة العمومية. وفي هذا السياق، تشكل التجربة الكروية المغربية خلال السنوات الأخيرة نموذجاً دالاً على الكيفية التي يمكن بها للرياضة، وخاصة كرة القدم، أن تتحول من مجال تنافسي ضيق إلى رافعة لإعادة إنتاج الرابط الاجتماعي وتعزيز شروط التنمية الشاملة.
تنطلق النظريات السوسيولوجية الحديثة حول الرابط الاجتماعي من مسلمة أساسية مفادها أن تماسك المجتمعات لم يعد يُبنى فقط على الروابط التقليدية (القرابة، الجماعة المحلية، المؤسسة الدينية)، بل أصبح يرتكز على منظومة من القيم المشتركة، والثقة المتبادلة، والاعتراف الرمزي، والمشاركة في الفضاء العمومي. وفي ظل ما وصفه زيغمونت باومان بـ«سيولة الروابط الاجتماعية»، حيث تتسم العلاقات بالهشاشة والتفكك، تبرز الحاجة إلى آليات جديدة قادرة على إعادة إنتاج الشعور بالانتماء والتضامن، وهو الدور الذي باتت الرياضة تضطلع به بشكل متزايد.
لقد أفرزت النجاحات التي حققها المنتخب المغربي، خاصة على المستوى الدولي، لحظة جماعية كثيفة الدلالة، أعادت توحيد الوجدان الاجتماعي حول رموز مشتركة، وأعادت الاعتبار لفكرة المصير الجماعي. ففي هذه اللحظات، تتراجع مؤقتاً الانقسامات الطبقية والمجالية والثقافية، ليحل محلها شكل من أشكال التضامن الرمزي الذي يقترب مما سماه دوركايم «التضامن العضوي»، حيث يتكامل المختلفون داخل نسق اجتماعي واحد.
من منظور بيير بورديو، يمكن قراءة هذا التحول باعتباره تراكمًا للرأسمال الاجتماعي والرمزي على المستوى الوطني؛ إذ يولد النجاح الكروي شبكة موسعة من الثقة والعلاقات الإيجابية بين الأفراد، ويمنح المجتمع اعترافاً رمزياً يعزز تقدير الذات الجماعية، ويقوي شرعية المؤسسات المشرفة على هذا القطاع. وهنا لا يصبح الإنجاز الرياضي قيمة تقنية فحسب، بل يتحول إلى مورد اجتماعي قابل للاستثمار في مجالات متعددة.
أما في مقاربة روبرت بوتنام، فإن كثافة التفاعل الاجتماعي الذي تخلقه التظاهرات الكروية، وما يصاحبها من مشاركة جماهيرية وتطوع وتنظيم مدني، يسهم في رفع منسوب الثقة الاجتماعية، وهو شرط أساسي لنجاح السياسات العمومية وتقليص كلفة التنسيق والتعاون داخل المجتمع.
على المستوى التنموي، تتجلى آثار هذا التعزيز للرابط الاجتماعي في عدة مستويات مترابطة. فمن جهة، تساهم كرة القدم في إدماج فئات واسعة من الشباب، عبر توفير نماذج نجاح مشروعة، وبناء أفق رمزي إيجابي يحد من الإحباط والهشاشة الاجتماعية. ومن جهة ثانية، يؤدي تراكم الرأسمال الرمزي الوطني إلى تحسين صورة البلاد خارجياً، وتقوية ما يسمى بـ«القوة الناعمة»، بما ينعكس إيجاباً على جاذبية الاستثمار والسياحة. كما أن ترسيخ ثقافة التنظيم والاحتراف والنتيجة داخل المجال الرياضي ينعكس تدريجياً على أنماط الحكامة في باقي القطاعات.
وعليه، يمكن القول إن التجربة الكروية المغربية لم تعد مجرد قصة رياضية ناجحة، بل أضحت مختبراً اجتماعياً لإعادة بناء الثقة، وتكثيف الروابط الاجتماعية، وإنتاج معنى جماعي للنجاح. وهي بذلك تؤكد أن التنمية الشاملة ليست مساراً اقتصادياً صرفاً، بل هي قبل كل شيء عملية اجتماعية وثقافية ورمزية، لا يمكن أن تستقيم دون رابط اجتماعي متين.
إن استثمار هذا الرصيد الاجتماعي والرمزي يظل رهيناً بقدرة السياسات العمومية على الانتقال من منطق التدبير الظرفي للنجاحات إلى منطق البناء الاستراتيجي طويل المدى، الذي يجعل من الرياضة أداة دائمة للاندماج الاجتماعي والتنمية المستدامة، لا مجرد لحظة احتفالية عابرة.