الانتفاضة
بعد رحلة طويلة قضاها في المنفى، قاربت أربعة عقود، كلها حلم ومعاناة وغربة، سيقرر محمد باهي حرمة العودة إلى المغرب سنة 1996، حاملا مشروعا متكاملا لتطوير صحافة الحزب، من خلال وضع تجربته المهنية والفكرية كلها لهذه المهمة. غير أن مشروعه اصطدم بمقاومة كبيرة لم يكن يتوقعها من رفاقه، لأن إحداث الثورة في الجريدة يعني بالضرورة الثورة على التنظيم السياسي الذي يصدرها، مما أثر على نفسيته، التي تأثرت أيضا بفقدان إحدى ابنتيه في حادثة سير بعد أيام قليلة من وصوله إلى المغرب.
فارق باهي الحياة في الرابع من يونيو سنة 1996، بإحدى المصحات بمدينة الدار البيضاء، إثر نوبة قلبية حادة ألمت به دون أن يحقق حلمه في التغيير الذي ظل مؤمنا به طوال حياته. وظلت أسباب وفاته مثار شك بين رفاقه، وإن كان البعض منهم قد حسم الأمر في أن أسباب موته لها علاقة بأزمة مهنية حصلت له منذ التحاقه بجريدة الاتحاد الاشتراكي، ومنهم محمد عابد الجابري الذي طالب، في رسالة موجهة إلى المكتب السياسي للحزب، بتكوين لجنة لتقصي الحقائق في الأسباب والظروف الصحفية والحزبية التي تكون وراء النوبة القلبية التي أصابت باهي، وعلى إثرها فارق الحياة.
هكذا مضى محمد باهي في صمت نحو النهاية دون وداع، وفي صدره جروح وأسرار ظل يكتمها إلى أخر المشوار، لكن ظلم الرفاق كان عليه أشد مضاضة من وقع الحسام المهند.
شهادات عن الباهي
قال عنه رفيق دربه الراحل عبد الرحمان اليوسفي:
“.. كان باهي من أركان رصيد حزبنا، ومن الصور المشرفة لهويتنا الوحدوية والديمقراطية والاشتراكية والمغاربية والقومية، كما كان باهي من الشهود على مصداقيتنا، ومن الرموز التي نعتز ونفخر بها، دون أن تمسسها بعض الأمراض الاجتماعية التي تسربت إلى الأحزاب السياسية. فلقد كان بحق مناضلا طاهرا وعصاميا، حرّا ومستقيما، أبيّا وكريما، عاش ومات فقيرا، متحديا كل الإغراءات، وكل مصاعب الحياة مهما كبرت. لم يثنه شيء عن الاستمرار بعزم وصلابة في المسيرة الوعرة التي اختارها منذ شبابه…”
وأضاف: “.. فمن نواكشوط إلى بغداد، لا أعتقد أنه يوجد مواطن عربي حظي بنفس التقدير الاجتماعي، وبنفس المحبة الاجتماعية التي استطاع باهي أن يبلورها حول شخصيته، لأنه كان، من حيث لا يدري، يسبي عقول وقلوب مخاطبيه بسبب أناقة خلقه، وتلقائية تواضعه، ولمعان ثقافته، وسحر حديثه وابتسامته..”
وقال عنه الكاتب والصحافي العراقي شاكر نوري: “هكذا عاش الباهي محمد، ممزقا بين الأدب والسياسة والفلسفة وعلم الاجتماع… كما عاش ممزقا بين المدن: باريس، الدار البيضاء، الجزائر، والصحراء، ذلك العالم المجهول الذي لا حدود له، تماما كالمعرفة الواسعة التي كان يطمح إليها…”
وقال عنه الصحافي خالد مشبال: “وربما لم تنجب الصحافة العربية منذ نشأتها كاتبا ملتزما بقضايا الحرية والوحدة والديمقراطية مثل محمد باهي… وما عاناه من تشريد في أوطان الغربة، وتهديد بالإعدام والتصفية في فترات (حالات الاستثناء) المشؤومة…”
وأضاف مشبال: “هذا الرجل النادر يجب أن يبقى منقوشا في ذاكرة الأجيال، كمادة أساسية ضمن مناهج التعليم العالي.”
التعليقات مغلقة.