الانتفاضة // سعيد حجي
الحياة ليست مؤلمة بالشكل الذي نتصوره وليست مبهجة بالصورة التي نصنعها في خيالنا.
هي فضاء رمادي واسع، متغير، لا يميل لصفك ولا يعاديك، بل يرميك في أفق مفتوح ويعطيك مفاتيح مبعثرة، وخريطة نصفها مفقود، والنصف الآخر يحتاج إلى عدسة ذات بعد روحي عميق لتقرأه.
هي لا تقدّم السعادة كهدية ولا تُسقط الألم كعقوبة، بل تضعك في قلب المتاهة، وتراقب، في صمت، قدرتك على التأويل والمضي…
السعادة كالكيمياء، لا تُخلق من مادة واحدة. تحتاج إلى إدراك، إلى نضج في التلقي، إلى طاقة روحية قادرة على تحويل الغيم إلى ظلّ، والعزلة إلى اكتشاف.
وفي الطريق إليها، يختلف الناس لا لأن الحياة صعبة، بل لأن النفوس متفاوتة في عمقها، في قدرتها على التحمل، في مرونتها إزاء التغير، في مهاراتها على التفكيك والتركيب…
منهم من يعبر الحياة مثل عابر سبيل، يرضى بما يصل إليه، لا يتوقف كثيرا عند محطات الألم، يرى الحزن كطقس طبيعي، كضرورة نفسية تسبق الفرح مثلما يسبق الليل الصباح. ومنهم من ينهار من عبء المعنى، من الفراغات بين الأحداث، من تأخر الرسائل، من خيبات التوقع. هؤلاء حين يصلون إلى عتبة السعادة، لا يصدقونها، يشكّون فيها، يخافون فقدانها، وربما، في لاوعيهم، يحنّون إلى الألم الذي عرفوه أكثر، لأنه مألوف. يقول فرناندو بيسوا: “أسوأ ما في الحياة أنّها لا تعلّمنا كيف ننسى الوجع حين يسقط الضوء”…
من يعيش الألم كهوية، لا يعود يثق في الفرح. يظل في داخله حوار خفي بين وجدان مثقل، وواقع يلوّح بإمكانية الفرح. هذه الازدواجية تولد وعيا معطوبا، يفتّش عن التشقق حتى في ذروة الاكتمال، ويحوّل النعمة إلى سؤال. هذا النمط الوجودي هو ما يسميه البعض “النرجسية الحزينة”، حين يتماهى الكائن مع جراحه ويغذيها لأنها تمنحه ملامح في مرآة اللامعنى…
الفيلسوف إميل سيوران كان يرى أن الألم أصدق من السعادة، لأن السعادة لحظة خرساء، لا تنطق، لا تسأل، بينما الألم يجبرك أن تكتب، أن تصرخ، أن تفكر. هو المحرك الأكثر جذرية في صناعة الوعي…
الحياة بهذا المعنى ليست بحثا عن السعادة كغاية نهائية، بل عن توازن دقيق بين الفقد والمكاسب، بين اليقين واللايقين، عن رحلة في المتاهة لا تكتمل أبدا. والخريطة ليست في الجيب، بل في التأمل، في الجرأة على الاعتراف بالضعف، في قدرة المرء على النظر داخله دون تهرّب…
إن من يصل إلى السلام الداخلي، لا يصل لأنه امتلك الحياة، بل لأنه قرأها بعمق، كمن يقرأ رواية كافكا لا ليحل شفراتها بل ليعيش غموضها. السعادة الحقيقية تنبت من الأرض التي حرثتها خيبات كثيرة، وتجفّفها دموع لم تكن عبثا، وتخصبها أسئلة وجودية لا إجابة لها…
في النهاية، من لا يتصالح مع هشاشته، لن يعرف طعم السعادة. ومن لم يفهم أنّ الطريق إليها ليس مفروشا باليقين، بل محفوف بالاحتمال، سيظل تائها حتى وإن وصل…
التعليقات مغلقة.