هيغل و «الشعب المصطفى»: هل تمثّل أمريكا وترامب روح التاريخ في هذه المرحلة؟

الانتفاضة // أسماء علي

هيغل و«الشعب المصطفى»: هل تمثّل أمريكا وترامب روح التاريخ في هذه المرحلة؟
قال هيغل عن نابليون:
“روح العالم على ظهر حصان
هيغل نفسه يقول:
الروح تتقدّم عبر الدمار أيضًا .
ليست العلاقة بين هيغل وأمريكا، ولا بين هيغل وترامب، علاقة مباشرة أو نصّية، بل علاقة تأويل تاريخي نشأت من سوء الفهم أحيانًا، ومن التوظيف الأيديولوجي أحيانًا أخرى. ومع ذلك، فإن فلسفة هيغل تظل واحدة من أكثر الفلسفات التي استُخدمت لتبرير القوة والهيمنة، خصوصًا حين تُقرأ خارج سياقها الجدلي.
هيغل والتاريخ: منطق الصيرورة لا القداسة.
يرى هيغل أن التاريخ ليس فوضى من الأحداث، بل مسارًا عقلانيًا تتقدّم فيه البشرية نحو وعي أوسع بالحرية. هذا التقدّم لا يحدث بسلاسة، بل عبر الصراع، التناقض، والانكسار. ولهذا يتحدّث عن “الروح المطلق” أو “روح العالم” التي تتجسّد في شعوب أو دول معيّنة في لحظات تاريخية محددة.
لكن هذه “الروح” لا تختار شعبًا لأنه أسمى أخلاقيًا، ولا لأنه الأفضل إنسانيًا، بل لأنه الأقدر في تلك اللحظة على فرض شكل جديد من النظام. أثينا كانت لحظة، روما لحظة، بروسيا لحظة… وكلها انتهت حين استنفدت دورها التاريخي.
الشعب المصطفى عند هيغل: وظيفة لا امتياز
الاصطفاء عند هيغل ليس دينيًا ولا أخلاقيًا، بل تاريخي وظيفي. الشعب الذي يقود التاريخ اليوم قد يكون هو ذاته ضحية الغد. لذلك ففكرة “الشعب المصطفى” الهيغلية تعني:
شعب يعبّر  مؤقتًا  عن منطق التاريخ، لا عن عدالة السماء.
ومن هنا تبدأ الإشكالية حين يُعاد تفسير هذا المفهوم ليُستخدم كغطاء أيديولوجي للهيمنة السياسية أو العسكرية.
أمريكا: الدولة الفكرة أم الإمبراطورية؟
يرى بعض المنظّرين أن الولايات المتحدة تمثّل نموذج “الدولة العقلانية” عند هيغل:
دستور
قانون
مؤسسات
خطاب الحرية
لكن المفارقة أن أمريكا، باسم هذه القيم نفسها، مارست التدخل، الحرب، والعقوبات، وكأنها الوصيّ على مسار التاريخ. في القراءة الهيغلية المتطرّفة، تُفهم هذه الهيمنة بوصفها تجسيدًا مؤقتًا لروح العالم: ما هو قوي هو واقعي، وما هو واقعي هو – في لحظته – عقلي.
غير أن هذا الفهم يتجاهل نقطة أساسية:
العقلانية عند هيغل وصفٌ تاريخي، لا تبريرٌ أخلاقي.
ترامب: روح العالم أم كاشف التناقض؟
ترامب لا يمثّل “العقل” الهيغلي بالمعنى الإيجابي، لكنه قد يمثّل لحظة الصدمة التي تحتاجها الصيرورة التاريخية. خطابه الشعبوي، عداؤه للمؤسسات، وإعلاؤه للقوة والقومية، كلّها كشفت تناقضات الديمقراطية الليبرالية الأمريكية ذاتها.
كما كان نابليون – في نظر هيغل – أداة التاريخ لا قدّيسه، يمكن النظر إلى ترامب بوصفه:
ظاهرة تاريخية
أداة خشنة للصراع
علامة على أزمة المرحلة
لا لأنه الأفضل، بل لأنه الأكثر تعبيرًا عن التصدّع الداخلي.
الخطر الحقيقي: تحويل الفلسفة إلى أيديولوجيا
حين تُستعمل فلسفة هيغل لتبرير:
الاحتلال
الهيمنة
التفوق القومي
فإنها تتحوّل من أداة فهم إلى أداة تبرير.
هيغل نفسه كان واضحًا:
كل قوة تاريخية تحمل في داخلها بذور فنائها. وما يمثّل روح العالم اليوم، قد يصبح غدًا عائقًا أمامها.
ليست أمريكا نهاية التاريخ، ولا ترامب تجسيد العقل المطلق. ما نراه هو مرحلة من الصيرورة، لحظة صراع قبل تحوّل جديد. ومن يظن أن التاريخ توقف عند قوة بعينها، لم يفهم هيغل… ولا التاريخ.
التاريخ لا يقدّس أحدًا، بل يستخدم الجميع ثم يمضي.

التعليقات مغلقة.