إرتفاع الأسعار في المغرب خلال 2025: قراءة تحليلية في كلفة العيش وحدود التدخل الحكومي!

الانتفاضة // إلهام أوكادير

خلال سنة 2025، وكما عايش الجميع، تحوّل تغير أسعار الخضر واللحوم والمواد الأساسية في المغرب من مجرد رقم اقتصادي يُعلَن بشكل دوري، إلى عنصر حاسم في تقييم الوضع المعيشي للأسر، وميزاناً حقيقيً لنجاعة الأداء الحكومي في تدبير الملفات الاجتماعية والاقتصادية، حيث لمست شريحة واسعة من المواطنين، بشكل مباشر ويومي، أن كلفة العيش لم تعد تُقاس بالأرقام المجردة أو المؤشرات الرسمية التي تصدرها مختلف الجهات المعنية، بقدر ما تُقاس بمحتوى القفة اليومية، وبالقدرة على الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار في مصاريف الغذاء الأساسية، هاته الغاية التي أضحت بعيدة المنال.

فمنذ الأسابيع الأولى لهذه السنة المباركة، بدأت مؤشرات التذبذب في أسعار المواد الغذائية تظهر بوضوح، خاصة في الخضر واللحوم، حيث سجلت الأسواق ارتفاعات متكررة في فترات متقاربة، قبل أن تعرف تراجعات جزئية لم تكن كافية لتغيير الانطباع العام لدى المستهلك.هذه التقلبات التي لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة تداخل عوامل متعددة، في مقدمتها تأثير الظروف المناخية على الإنتاج الفلاحي، وارتفاع تكاليف الأعلاف، وتزايد كلفة النقل والتوزيع، إضافة إلى اختلالات بنيوية مرتبطة بسلاسل التسويق وهوامش الوسطاء وغيرها …

المعطيات الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط خلال سنة 2025، أكدت أن المواد الغذائية ظلت من بين أبرز العناصر المؤثرة في تحريك مؤشر الأسعار عند الاستهلاك، وهو ما انعكس مباشرة على الإحساس العام بغلاء المعيشة، حيث وبالرغم من تسجيل بعض الانخفاضات الظرفية في أثمان عدد من الخضر خلال فترات معينة، إلا أنّ هذه التراجعات، لم تُترجم إلى تحسن ملموس في القدرة الشرائية، بالنظر إلى كونها مؤقتة ومحدودة الأثر، مقابل ارتفاعات متواصلة في مواد أخرى، وعلى رأسها اللحوم.في الواقع، لم يعد المواطن المغربي يقارن الأسعار بين شهر وآخر فقط، بل أصبح يستحضر مستوى المعيشة في السنوات السابقة بحسرة كبيرة، وهو ما يعمّق الإحساس بتآكل القدرة الشرائية، فحتى مع انخفاض الأسعار نسبيًا، يبقى العبء ثقيلاً على الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط وما بالك بالمنعدم. هاته الأسر التي تخصص نسبة كبيرة من دخلها للغذاء، وتجد نفسها مضطرة لإعادة ترتيب أولوياتها  وتقليص أو الإستغناء عن استهلاك بعض المواد التي كانت تُعتبر في السابق أساسية.

هذا الوضع الحرج، الذي أعاد إلى الواجهة إشكالية التوازن بين تطور الأسعار وتطور الدخل، إذ أظهرت سنة 2025 بوضوح، أن وتيرة تحسن المداخيل لم تكن متناسبة مع وتيرة تغير كلفة العيش، وهو ما جعل النقاش العمومي يتجاوز الأرقام التقنية للتضخم، لينتقل إلى جوهر الإشكال المرتبط بالإحساس الاجتماعي بالاستقرار أو الهشاشة الاقتصادية.أما على مستوى التدبير الحكومي، فقد وُضعت السلطات العمومية أمام اختبار صعب، يتمثل في التوفيق بين الحفاظ على التوازنات المالية الكبرى، والحد من الضغوط التضخمية، والاستجابة للانتظارات الاجتماعية المتزايدة، حيث تم الإعلان عن إجراءات عدة لمراقبة الأسواق ومحاربة المضاربات، خاصة خلال فترات تعرف ضغطاً استهلاكياً، غير أن تأثير هذه التدخلات، ظل محدوداً في نظر فئات واسعة من المواطنين، لكونه لم ينجح في إرساء استقرار دائم في أسعار المواد الأساسية، بالشكل الذي يجعل المواطن المغربي يستشعر تأثيرها في يومع المعيشي.

كما أن طبيعة الإشكال، المرتبطة من جهة أخرى، بعوامل إنتاجية وبنيوية، جعلت الحلول الظرفية غير كافية لمعالجة جذور الغلاء. فارتفاع أسعار اللحوم، على سبيل المثال، لا ينفصل عن كلفة الأعلاف وتراجع القطيع في فترات سابقة، بينما تظل أسعار الخضر رهينة بالتقلبات المناخية وضعف آليات التخزين والتسويق، والسمسرة، ونفقات النقل، و‘تاوت الأسواق البلدية وغيرها … وهو ما يطرح بإلحاح ضرورة اعتماد مقاربة شمولية، تستهدف دعم الإنتاج الوطني، وتحسين نجاعة سلاسل التوزيع، وتقليص هوامش الربح غير المبررة، مع توجيه الدعم بشكل أكثر دقة نحو الفئات الأكثر تضرراً، وتفعيل المراقبة الناجعة للأسواق.أما من زاوية أوسع، فقدج كشفت سنة 2025 عن مفارقة لافتة في المشهد الاقتصادي المغربي، حيث لا يكفي تسجيل مؤشرات كلية مستقرة أو تراجع نسبي للتضخم في بعض الفترات من السنة لطمأنة المواطنين، ما دامت انعكاسات هذه المؤشرات لا تُلمس بوضوح في تفاصيل العيش اليومي، ولا تخفف من كاهل الأعباء الإستهلاكية اليومية التي لا يجد غنى عنها. فالفجوة بين الخطاب الاقتصادي الرسمي والتجربة المعيشية للأسر ظلت حاضرة، ما يعكس حاجة ملحّة إلى سياسات أكثر قرباً من الواقع الاجتماعي.

في المحصلة، يمكن القول بأن تطورات أسعار الخضر واللحوم خلال سنة 2025، قد شكلت مرآة دقيقة للوضع المعيشي بالمغرب، وكشفت عن حجم التحديات التي تواجه القدرة الشرائية للأسر، كما سلطت الضوء على حدود التدخلات الحكومية الظرفية في مواجهة الغلاء. وهي معطيات تؤكد أن الرهان في المرحلة المقبلة لا يقتصر على ضبط الأرقام، بل يتطلب رؤية اقتصادية واجتماعية متكاملة وحقيقية، تجعل من تحسين شروط العيش واستعادة الثقة في السياسات العمومية أولوية حقيقية، وليس مجرد هدف معلن كما جرت به العادة.

التعليقات مغلقة.