حين تختطف السيادة في جنح الظلام: الإمبريالية العارية وسقوط وهم الشرعية الدولية

الانتفضة – أبو علي بلمزيان

ليس الهجوم الأمريكي على دولة ذات سيادة، واختطاف رئيسها في جنح الظلام، مجرد حادثة عابرة في سجل العلاقات الدولية، بل هو لحظة كاشفة لانهيار ما تبقى من ادعاء أخلاقي لنظام عالمي يتغذّى على القوة العارية ويُلبسها أقنعة القانون. إنها لحظة تُسقط فيها الولايات المتحدة آخر أوراق التوت عن جسد الإمبريالية، فتتصرف بوصفها شرطيا كونيا فوق القانون، وخارج كل مساءلة، داهسة سيادة الدول، ومحولة مفهوم الشرعية الدولية إلى ديكور بلا معنى.

ما جرى ليس فقط انتهاكا صارخا لميثاق الأمم المتحدة، بل هو إعلان عملي عن موته السريري. فهذه المنظمة التي ولدت من رماد حربين عالميتين لتكون حارسا للسلام، تحولت اليوم إلى شاهد زور، أو بالأحرى إلى مؤسسة مفرغة من مضمونها، تستعمل حين يخدم ذلك مصالح الأقوياء، وتداس حين تعيق مشاريعهم. لم تعد الأمم المتحدة إطارا ضابطا للعلاقات بين الدول، بل أصبحت منصة خطابية تستخدم لتبرير الوقائع بعد فرضها بالقوة، أو لتجميل الجرائم السياسية بلغة ناعمة لا تغيّر من جوهرها شيئا.

السابقة التي يكرسها هذا الهجوم أخطر من الحدث نفسه. حين تختطف قوة عظمى رئيس دولة ذات سيادة دون محاكمة، ودون تفويض دولي، فإنها تفتح الباب واسعا أمام فوضى دولية مقننة، تشرعن منطق الغاب وتحول العلاقات الدولية إلى صراع مفتوح بين قوى تتنازع النفوذ بلا قواعد. ما الذي يمنع، بعد اليوم، أي دولة قوية من أن تحذو حذو الولايات المتحدة؟ ما الذي سيبقى من مفهوم السيادة إذا صار رئيس الدولة هدفا مشروعا للاختطاف والتصفية السياسية متى تعارضت سياساته مع مصالح الإمبراطورية؟

اليسار الراديكالي يرى في هذا الفعل تتويجا لمسار طويل من الهيمنة الإمبريالية التي لا تؤمن إلا بمنطق القوة. الولايات المتحدة لا تحكم العالم لأنها “حامية الديمقراطية” كما تدعي، بل لأنها تمتلك ترسانة عسكرية واقتصادية وإعلامية تمكّنها من فرض إرادتها، وقلب الأنظمة، وتنصيب نخب تابعة، وتحويل الدول إلى أسواق مفتوحة أو قواعد متقدمة لمشاريعها. الديمقراطية، في قاموس الإمبريالية، ليست حقا للشعوب، بل أداة ابتزاز وانتقاء: تمنح للحلفاء، وتسحب من الخصوم.

الأكثر فجاجة في المشهد هو صمت، بل تواطؤ، القوى التي تقدم بوصفها موازنا للإمبريالية الأمريكية. روسيا والصين، اللتان تتقاسمان خطاب “العالم المتعدد الأقطاب”، تكشفان في مثل هذه اللحظات عن حقيقة موقفيهما: البحث عن نصيب من الكعكعة، لا عن عدالة دولية. إنهما لا تناصران الحلفاء بقدر ما تفاوضان على مناطق نفوذ، ولا تواجهان الغطرسة الأمريكية بقدر ما تعيدان إنتاجها بصيغ أخرى حين تسنح الفرصة. الصراع بين هذه القوى ليس صراعًا بين الخير والشر، بل بين إمبرياليات تتنازع الغنائم.

هذا الصمت الدولي ليس حيادا، بل مشاركة غير مباشرة في الجريمة. فحين تنتهك سيادة دولة اليوم، ويختطف رئيسها، ولا يتحرك مجلس الأمن إلا ببيانات باهتة، فإن الرسالة واضحة: القانون الدولي يطبّق على الضعفاء فقط. وهنا تكمن خطورة اللحظة؛ إذ تعاد صياغة النظام العالمي على أساس من القوة العسكرية لا من القواعد، وعلى أساس من الابتزاز لا من التعاقد.

من منظور يساري راديكالي، لا يمكن فصل هذا الهجوم عن البنية العميقة للنظام الرأسمالي العالمي. الإمبريالية ليست نزوة سياسية، بل ضرورة بنيوية لرأسمالية متوحشة تبحث باستمرار عن موارد جديدة، وأسواق إضافية، ومساحات نفوذ تحمي تراكمها. حين تضيق السبل الاقتصادية، تُفتح جبهات عسكرية؛ وحين تفشل الدبلوماسية، تتقدم الطائرات الخاصة وفرق العمليات الليلية. إنها سياسة “الصدمة والرعب” التي تدار من غرف مغلقة، وتسوق لشعوب العالم بلغة “الأمن” و”الاستقرار”.

إن الرد الحقيقي على هذه السابقة الخطيرة لا يأتي من بيانات الشجب، ولا من رهانات واهية على قوى عظمى بديلة، بل من بناء تضامن أممي جديد بين الشعوب، لا بين الأنظمة. تضامن يرى في سيادة الدول حقًا غير قابل للمساومة، وفي تقرير المصير مبدأً لا يجزأ، وفي مقاومة الإمبريالية واجبا سياسيا وأخلاقيا. وحده هذا الأفق قادر على كسر دائرة الإفلات من العقاب، وإعادة الاعتبار لفكرة أن العالم لا يجب أن يُحكم بقانون القوة، بل بقوة القانون.

ما حدث ليس نهاية التاريخ، لكنه جرس إنذار مدو: إما أن يستعاد معنى السيادة والشرعية من أسفل، من نضالات الشعوب، أو سنستيقظ جميعا على عالم تختطف فيه الدول كما يختطف الأفراد، في ليلٍ بلا شهود، وبلا حساب.

التعليقات مغلقة.