الانتفاضة  // عصام عويس

يدفعنا كتاب “سنوات الصحافة: أوراق من زمن الصحيفة ولوجورنال” لأحمد بوز إلى النزول من الشجرة والحفر في جذور الوقائع الغريبة التي أصابت الصحافة المغربية.

يحكي بوز في كتابه كيف حاولت المخابرات استقطابه، ويحكي كيف وصفت الصحيفة قانون الإرهاب ب”القانون الإرهابي”، ويحكي عن فوارق الأجور بين الصحافي المعرّب وزميله المفرنس، وينتقد، بما يلزم من لطف وأدب، المؤرخ عبد الله العروي، ويحكي عن مغرب المفارقات الذي كان يستمع لضحايا الأمس ويصنع ضحايا للمستقبل.

في 15 مارس 2006، حاول مسؤول في جهاز استخباراتي استقطاب أحمد بوز الذي كان يشغل حينها منصب سكرتير تحرير في “الصحيفة”.

التقيا في مطعم فخم بفندق حسان بالرباط. قدّم رجل المخابرات نفسه بلغة مباشرة ولبقة وكان واضحا في قصده: نريدك أن تساعدنا في تغيير خط تحرير الصحيفة في “اتجاه يجعله نقديا دون أن يهاجم الملك”.

لماذا وقع اختيار المخابرات على أحمد بوز؟ كانت المخابرات تعتقد أن صلته بالأمير مولاي هشام العلوي، ابن عم الملك محمد السادس، أضعف من باقي قيادة التحرير في الصحيفة، وخاصة محمد حفيظ مدير النشر، كما أن العمل الاستخباراتي لا يخلو من رهان على نوازع الطمع في البشر.

قال رجل المخابرات إنه يريد أيضا من بوز تزويده بالمعلومات التي يتحصل عليها من مصادره. “كيعطيوك معلومات، عطينا معلومات حتى انت” بكلماته التي دونها بوز في مذكراته.

رفض أحمد بوز العرض دون مواربة بعد معركة رمزية من الكلمات يورد الكاتب كيف بدأت ودارت وانتهت في كتابه.

ما هي الصحيفة اليوم التي تشعر المخابرات المغربية أنها بحاجة لاختراقها وتوجيه خطها التحريري؟ دوّنت هذا السؤال على هامش الكتاب وأنا أعد هذه القراءة فيه.

لم تكن الصحيفة ولوجورنال مجرد نشرتين صحفيتين، كانتا تمثلان توجها يرى أن “الصحافة هي نشر ما لا يريد البعض نشره، أما الباقي فمجرد علاقات عامة”. وحسب علمي تُنسب هذه المقولة لجورج أورويل رغم أن دوريان لينسكي الذي كتب سيرة جورج أوريل ينفي أن تكون قد وردت في أي من أعماله.

ومهما يكن من أمر صاحب المقولة، فقد تحلّت بمعناها الصحيفة ولورجونال في ممارستها الصحافية.

“لم تكن الصحيفة ومعهما توأمها “لوجورنال” مجرد منبرين إعلاميين بل كانتا أشبه بحزب سياسي لم نؤسسه وفقا للإجرءت وللشلكيات المطلوبة في تأسيس الأحزاب السياسية ولكننا وجدنا أنفسنا منخرطين فيه وصانعين لاختياراته ومدافعين عن “خطه التحريري” ، يقول بوز.

لكن كيف يمكن أن يتحلّى مناضل في حزب بالتجرد والموضوعية والحياد المطلوب في العمل الصحافي؟

كان محمد حفيظ وأحمد بوز ينتميان لمدرسة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، ويتزعمان تيارا معارضا لقيادة الحزب واختياراته السياسية عرف باسم “الوفاء للديمقراطية” سيندمج لاحقا في الحزب الاشتراكي الموحد.

والجواب الذي يمكن استقراؤه من الكتاب أن الروح النقدية العالية لتيار “الوفاء للديمقراطية” وخروجه عن “بركة الشيخ” وتقديس الأسماء وانتقاد الحكومة التي يقودها الاتحاد الاشتراكي طابق ما تبحث عنه الصحيفة، كما أن توظيف صحافيين بخلفيات حزبية كان دائما مفيدا من الناحية الخبرية للصحف.

لكن هل بالمقابل تحوّلت الصحيفة إلى لسان “الوفاء للديمقراطية”؟ ينفي بوز بشدة هذه التهمة، مؤكدا أن التقارير والتغطيات التي أنجزتها ظلت محكومة بمصلحة القارئ والرأي العام وكشف الحقيقة، وحضرت فيها آراء الإسلاميين والمعارضين من شتى الاتجاهات.

وعموما، هذه مسألة يمكن ل”للقارئ الخاص” كما يسميه أحمد بوز أي “الذي عاش تلك المرحلة بنفسه وكوّن عنها رؤيته الخاصة” أن يجادل فيها.

الأكيد أن الصحيفة اتخذت مكانة الحزب في قلب أحمد بوز وصوت المناضل خفت داخله لصالح صوت الصحفي. يقول بوز: “أخذت أشعر أن الحزب الوحيد الذي أنتمي إليه هو “الصحيفة” وأن ما بقي يجمعني بالحزب الذي اندمجت فيه “الوفاء للديمقراطية ” هو الصداقة والرفقة الطيبة”.

حين تحركت الدولة بكل ثقلها لإقرار قانون الإرهاب سنة 2003 في أعقاب الهجمات الإرهابية في الدار البيضاء، ” لم نتردد في الصحيفة في وصفه ب”قانون إرهابي لمحاربة الإرهاب” “.

تغيّر المغرب بعد تلك الهجمات وكان الظرف الدولي يبرّر الدوس على حقوق الإنسان باسم مكافحة الإرهاب، وظهرت مقاربات أكثر تشددا لضبط المجتمع، وطفت مفارقة كبرى في بداية العهد الجديد.

يقول أحمد بوز: “أصبحنا في المغرب وبشكل مفارق نتابع العشرات من ضحايا سنوات الرصاص على عهد الملك الحسن الثاني، وأغلبهم من اليسار، وهم يستعرضون على شاشة التلفزة الحكومية الانتهاكات الجسيمة التي كانوا عرضة لها، ونتابع في نفس الوقت حملة غير مسبوقة من الاعتقالات في صفوف آلاف من “الإسلاميين” في ظل حكم الملك محمد السادس على خلفية اتهامهم بقضايا تتعلق بالإرهاب، وبالشكل الذي طرح التساؤل حول ما إذا كانت “هيئة الإنصاف والمصالحة” قد جاءت فعلا لجبر ضرر الضحايا والحيلولة دون ان يتكرر هذا”.

يتحدث بوز أيضا عن علاقة ملّاك لوجورنال والصحيفة بالأمير “الأحمر”، وقصة كذبة تالسينت، وعلاقة الصحافي بالسياسي، والأجور المرتفعة للصحافيين المفرنسين مقارنة بزملائهم المعرّبين، وأهمية “دفتر الأرقام”، ويذكر بالأرقام تفاصيل الأجر الذي كان يتقضاه، وبعض المواقف الطريفة التي وقعت له مع شخصيات حاورها أو صادفها في رحلته المهنية.

يذكر مثلا كيف وقعت بين يديه مسودة أولى لكتاب “المغرب والحسن الثاني.. شهادة” فاتصل بالعروي لإجراء حوار حولها وربما نشر بعض المقتطفات، لكن ردة فعل العروي كانت عنيفة جدا.

 

استعاد العروي أعصابه بعدما طمأنه بوز إلى أنه لن ينشر أي شيء ضدا في إرادته ودخلا في نقاش حول قضايا مختلفة بعدها في هدوء.

يعتبر بوز العروي “مفخرة للمغرب كمؤرخ ومفكر ألمعي”، لكن ذلك لا يمنعه من انتقاد “ضعف انخراطه في قضايا المجتمع ومحدودية تفاعله مع ما يعتمل في رحمه”.

وباعتبار أن المثقف هو “من يحمل الحقيقة في مواجهة القوة” وباستحضار مفهوم “المثقف العضوي” لأنطونيو غرامشي، يرى بوز أن العروي مؤهل لأن يقوم بدور المثقف كما يحضر في تلك التعريفات و”ينزل من برجه العاجي لكي يصبح جزء من هموم شبعه ومواطنيه وقضاياهم”.

ثم يرى مع عابد الجابري أن العروي ربما وصل إلى خلاصة مفادها أنه “يجب التعاون مع الحكم لإصلاحه”.

في تقديري، قراءة هذا الكتاب “فرض عين” على أقلام الغد وعلى الجيل الذي يرى تجربة لوجورنال والصحيفة كماض مشتت ومبهم الملامح. هذا الكتاب يجمع قضايا مبعثرة بدقة وتواريخ وشهادات ومسار دقيق للأحداث، ويصلح منطلقا لمقارنة الروايات والأفكار عن ذلك الماضي.

فهو يضع أيضا بين أهدافه “إشراك جيل اليوم في ما وقع خلال مرحلة قد تبدو قريبة منهم، ولكنهم لم يعيشوها بكل تفاصيلها”.

وكما يقول النقيب عبد الرحيم الجامعي في تقديم الكتاب، مستحضرا مقولة لمحمد حسنين هيكل، “الذين لا يعلمون ما حدث قبل أن يولدوا محكوم عليهم أن يظلوا أطفالا طوال عمرهم”.

التعليقات مغلقة.