من المغرب الأخضر إلى العجز الغذائي: فشل نموذج أم أزمة اختيارات؟

الانتفاضة/ بقلم : حسن بنسعود رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان بشيشاوة.

منذ إطلاق مخطط “المغرب الأخضر” رسميًا في أبريل 2008، قُدِّم هذا المشروع باعتباره التحول الاستراتيجي الأكبر في تاريخ الفلاحة المغربية، ورافعة لتحقيق الأمن الغذائي، وتحديث الإنتاج، وتحسين دخل الفلاحين، وضمان استقرار الأسواق. غير أن مرور أكثر من عقد على تنزيله، وبلوغه نهايته الرسمية سنة 2020، يفرض اليوم قراءة نقدية تتجاوز لغة الأرقام والإنجازات المعلنة، لتطرح السؤال الجوهري: ماذا تبقى من الأمن الغذائي المغربي بعد “المغرب الأخضر”؟
الواقع الملموس يكشف مفارقة يصعب تبريرها تقنيًا: المغرب يستورد الأعلاف بكميات متزايدة، ويستورد في الوقت نفسه اللحوم الحمراء والحيوانات الحية، ويعاني من ارتفاع أسعار الخضر والفواكه، وتراجع القطيع الوطني، واضطراب التوازن بين العرض والطلب، بل وصل الأمر إلى تعليق شعيرة ذبح الأضحية في سابقة ذات دلالة اجتماعية عميقة. هذه المؤشرات مجتمعة لا تعكس أزمة ظرفية، بل تعبّر عن اختلال بنيوي في النموذج الفلاحي المعتمد.
هذا الاختلال لا يرتبط بسوء التنفيذ أو بالجفاف وحده، بل بطبيعة الاختيارات التي تأسس عليها مخطط المغرب الأخضر منذ 2008. فقد قام على تشجيع فلاحة رأسمالية موجهة للتصدير، عالية الربحية المالية، كثيفة الاستهلاك للماء، ومندمجة في سلاسل السوق العالمية، مقابل تهميش تدريجي لسلاسل الإنتاج التقليدية التي كانت تشكل، تاريخيًا، المزود الرئيسي للأسواق المحلية والضامن غير المعلن لتوازن الأسعار.
لم تكن هذه السلاسل التقليدية مجرد أنماط إنتاج بدائية، بل منظومات اجتماعية-اقتصادية متكاملة، قائمة على التوازن بين الأرض والماء والقطيع، وعلى دورات إنتاج مرنة قادرة على امتصاص الصدمات المناخية. تربية الماشية التقليدية، والزراعات المعيشية، والزراعات العلفية المحلية، كانت تؤدي وظيفة استراتيجية في الأمن الغذائي، رغم محدودية وسائلها. غير أن منطق “التحديث” كما صاغه المخطط، أدى عمليًا إلى تفكيك هذه المنظومات دون بناء بديل وطني قادر على تعويضها.
في المقابل، استفادت الاستغلاليات الكبرى من الدعم العمومي، ومن تسهيلات الولوج إلى العقار والماء، ومن الامتيازات الجبائية، دون أن تُربط هذه الامتيازات بمسؤولية واضحة تجاه السوق الداخلية أو السيادة الغذائية. وهكذا تحولت الفلاحة، تدريجيًا، من قطاع يهدف إلى إطعام المجتمع، إلى نشاط اقتصادي يتاجر عمليًا في الأمن المائي والغذائي، حيث تُصدَّر المنتجات وتُصدَّر معها كميات هائلة من “المياه الافتراضية”، بينما يُترك المستهلك المغربي رهينة الندرة والتقلبات.
هذا المنطق يفسر لماذا لم تنعكس وفرة الإنتاج المعلنة على الأسعار، ولماذا لم يؤدِّ توسيع المساحات المسقية إلى وفرة داخلية. فالأولوية لم تكن للسوق الوطنية، بل للأسواق الخارجية، ولم يكن الهدف بناء اكتفاء ذاتي، بل جلب العملة الصعبة، حتى ولو كان ذلك على حساب الموارد الطبيعية والتوازنات الاجتماعية.
ومع تفاقم الإجهاد المائي البنيوي، الذي نبّه إليه الخطاب الملكي بوضوح، انكشفت هشاشة هذا النموذج. فالفلاحة التي شُجعت منذ 2008 لم تُبنَ على منطق الندرة، بل على منطق الاستنزاف. وحين اشتد الجفاف، انهارت تربية الماشية التقليدية، وارتفعت كلفة الأعلاف، وتراجع القطيع، واضطرت الدولة إلى استيراد اللحوم لتعويض ما دمرته اختياراتها السابقة. وهكذا وجد المغرب نفسه يصدّر خضرته ويستورد غذاءه.
في هذا السياق، لا يبدو تعليق شعيرة ذبح الأضحية حدثًا معزولًا، بل مؤشرًا اجتماعيًا قويًا على انهيار دورة إنتاجية كانت تجمع بين الاقتصاد والدين والتضامن الاجتماعي. فالأضحية لم تكن طقسًا فقط، بل جزءًا من منظومة قروية متكاملة، جرى تفكيكها باسم التحديث.
إن الأزمة الحالية ليست أزمة لحوم أو أعلاف، بل أزمة نموذج فلاحي اختزل التنمية في التصدير، وهمّش المحلي، وراكم الأرباح في الأعلى، بينما نقل كلفة الندرة والغلاء إلى المجتمع. ومن هنا، فإن الانتقال من “المغرب الأخضر” إلى “الجيل الأخضر” لن يكون ذا معنى إن لم يصاحبه تحول فعلي في الفلسفة التي تحكم الفلاحة والأمن الغذائي.
إن تجاوز هذه الاختلالات يقتضي أولًا إعادة الاعتبار للأمن الغذائي باعتباره خيارًا سياديًا، لا نتيجة ثانوية للنمو الاقتصادي. فلا معنى لنجاح فلاحي لا ينعكس على موائد المغاربة، ولا لفلاحة مربحة تعمّق الهشاشة الاجتماعية.
كما يفرض الواقع إعادة الاعتبار لسلاسل الإنتاج التقليدية، لا بوصفها بقايا ماضٍ، بل كرأسمال اجتماعي وبيئي أثبت قدرته على التكيف مع الندرة. دعم الفلاح الصغير والكساب التقليدي والزراعات العلفية المحلية ليس إجراءً اجتماعيًا فقط، بل شرطًا لاستعادة التوازن بين العرض والطلب وتقليص التبعية للاستيراد.
ولا يمكن لأي نموذج بديل أن ينجح دون عدالة مائية حقيقية، تُعيد ترتيب أولويات الاستعمال، وتضع حدودًا صارمة للاستغلال الفلاحي المستنزف، خصوصًا حين يكون موجَّهًا للتصدير. فالماء لم يعد موردًا تقنيًا، بل قضية اجتماعية وسياسية تمس الاستقرار المجالي.
وأخيرًا، لا بد من ربط أي دعم عمومي للفلاحة بالتزامات واضحة تجاه الأمن الغذائي الوطني، والتشغيل المحلي، وحماية الموارد، وكسر الامتياز غير المشروط للاستغلاليات الرأسمالية الكبرى. فالفلاحة التي لا تخدم المجتمع، ولا تحمي موارده، لا يمكن اعتبارها تنمية.
إن الخروج من مفارقة بلد فلاحي يستورد غذاءه، لن يتحقق إلا حين تتحول الفلاحة من أداة لتوليد العملة الصعبة فقط، إلى رافعة للسيادة الغذائية والعدالة المجالية والاستدامة البيئية. حينها فقط، يمكن الحديث عن مخطط أخضر حقيقي… أخضر يُطعم أهله، ويحفظ ماءه، ويصون مستقبله.

التعليقات مغلقة.