الانتفاضة // نور الهدى العيساوي
كشف تقرير رئاسة النيابة العامة برسم سنة 2024 عن معطيات لافتة بخصوص التبرع بالأعضاء و الأنسجة البشرية في المغرب، أظهرت تطورًا غير مسبوق في عدد طلبات التبرع بين الأحياء، مقابل تراجع ملحوظ في التبرع بعد الوفاة، ما يعكس مفارقة صحية و إنسانية تستدعي التوقف و التحليل.
و حسب التقرير، بلغ مجموع طلبات التبرع بين الأحياء خلال سنة 2024 ما مجموعه 149 طلبًا، و هو أعلى رقم يتم تسجيله مقارنة بالسنوات السابقة، رغم أنه لا يزال دون مستوى الحاجيات المتزايدة لعمليات زرع الأعضاء.
و تصدّرت النساء قائمة المتبرعين، بنسبة 57,72 في المائة (86 متبرعة)، مقابل 42,28 في المائة من الذكور (63 متبرعًا)، في مؤشر يعكس حضورًا نسائيًا قويًا في هذا الفعل الإنساني.
و على مستوى الفئات العمرية، إستحوذ الأشخاص الذين تفوق أعمارهم 45 سنة على النصيب الأكبر من الطلبات بـ52 تصريحًا، تلتهم الفئة ما بين 31 و 45 سنة بـ50 طلبًا، بينما سجلت الفئة الشابة بين 18 و 30 سنة أقل عدد من الطلبات بـ47 تصريحًا.
و سجّل التقرير معطى لافتًا يتمثل في الموافقة القضائية على جميع طلبات التبرع بين الأحياء بنسبة 100 في المائة، و هو ما يعكس إحترام الشروط القانونية و الصحية المؤطرة لهذا النوع من التبرع، و دقة المساطر المعتمدة من طرف المحاكم المختصة.
في المقابل، عرف التبرع بالأعضاء بعد الوفاة تراجعًا واضحًا، حيث لم يتجاوز عدد التصاريح المسجلة خلال 2024 41 تصريحًا فقط، توزعت بشكل شبه متوازن بين الإناث (21 حالة) و الذكور (20 حالة).
و إحتلت الفئة العمرية ما بين 18 و 30 سنة المرتبة الأولى بنسبة 43,90 في المائة، تلتها الفئة التي تفوق أعمارها 45 سنة بنسبة 34,15 في المائة، بينما جاءت الفئة ما بين 31 و 45 سنة في المرتبة الأخيرة.
و أوضح التقرير أن أغراض التبرع بعد الوفاة شملت 41 حالة لأغراض علاجية و 16 حالة لأغراض علمية، و ذلك في إطار الإلتزام بالمقتضيات القانونية و التنظيمية الجاري بها العمل.
و يخضع التبرع بالأعضاء و الأنسجة البشرية في المغرب لمقتضيات القانون رقم 16.98، إضافة إلى مرسومه التطبيقي و النصوص التنظيمية ذات الصلة، حيث يميز التشريع بين التبرع بين الأحياء و التبرع بعد الوفاة، و يخضع كلا المسطرتين لإذن قضائي مسبق، بهدف حماية المتبرعين، و ضمان الشفافية، و التصدي لأي شكل من أشكال الإتجار غير المشروع في الأعضاء.
و رغم توفر هذا الإطار القانوني، نبّه التقرير إلى أن الإقبال على التبرع بالأعضاء لا يزال محدودًا مقارنة بعدد المرضى المحتاجين لعمليات الزرع، مرجعًا ذلك أساسًا إلى ضعف حملات التوعية و التحسيس، و نقص المعلومات المرتبطة بالجوانب الطبية و القانونية للتبرع.
و تُبرز المقارنة مع السنوات السابقة هذا التذبذب، إذ تم تسجيل 42 طلبًا للتبرع بين الأحياء و 98 بعد الوفاة سنة 2022، لترتفع الأرقام سنة 2023 إلى 110 طلبات بين الأحياء و 116 بعد الوفاة، قبل أن تشهد سنة 2024 قفزة كبيرة في التبرع بين الأحياء، مقابل تراجع حاد في التبرع بعد الوفاة.
و يخلص التقرير إلى أن هذه المؤشرات تفرض فتح نقاش وطني واسع حول سبل تطوير منظومة التبرع بالأعضاء، سواء عبر مراجعة الإطار القانوني، أو تعزيز التنسيق بين المتدخلين، أو تكثيف حملات التحسيس، بهدف تشجيع المواطنين على الانخراط في هذه المبادرات الإنسانية التي تشكل ركيزة أساسية لإنقاذ الأرواح و تحسين جودة حياة آلاف المرضى.
التعليقات مغلقة.