زمن الصورة

الانتفاضة // سعيد حجي 

ما الذي يجعلك، وأنت في ركن هادئ في مدينة وجدة، تعزف الناي بيدين هادئتين، أن تكون حاضرا في نفس اللحظة في نيويورك وباريس والقاهرة وجوبا وسنغافورة؟ ما هذه الظاهرة التي يتكلم فيها جسد واحد بينما تتكاثر أصداؤه في جهات العالم كأنها انفجار كوني لذرة بشرية؟ ما الذي يجعل طيفك يتوزع، يتناسخ، يتكرر، يُرى، يُسمع، يحس في أماكن لا تدري حتى أسماء شوارعها؟

إنه ليس خيالا واسعا ، بل هو أحد تلك التحولات الكبرى التي أعادت تعريف الكينونة. لم تعد الذات حبيسة مكان وزمان، بل صارت ذاتا عابرة، تتكثف في لحظة، وتتمدد في آفاق لا حدود لها. الصورة، الصوت، العبارة، اللحن… كلها امتدادات جديدة للجسد، لكنها أخف، أكثر قدرة على السفر، أكثر رشاقة من قوانين المادة…

حين يعزف أحدهم الناي في بقعة نائية من هذا الكوكب، وتُلتقط اللحظة بعدسة، ثم تُبث عبر وسيط إلكتروني، فذلك لا يعني أن اللقطة انتقلت، بل أن الكائن كله تماهى، تحول إلى ذبذبة، إلى شحنة رقمية، إلى طيف يتكاثر. إن كنت تظن أنك واحد، فالواقع يراك متعدد الظهور، متعدد السياق، متشظي الوجود…

فيزياء الكم لطالما لعبت بنا هذه اللعبة، حين تؤكد أن الجسيم قد يكون في مكانين مختلفين في الوقت ذاته. أنت أيضا، ككائن رقمي، قد تعزف في حيّك البسيط بينما يتلقى وقع نايك قلب امرأة في هولندا ورجل في أوساكا وطفل في الخرطوم. هذه التنقلات ليس ميتافيزيقا، بل تكنولوجيا، لكنها تحيل على سؤال فلسفي قديم: ما حدود الذات؟

الذات لم تعد تحصرها المسافة، ولم تعد تفصلها الحدود، فالهوية صارت موزعة عبر النبضات الكهرومغناطيسية، عبر التفاعل، عبر المشاركة. كل من يسمعك، من يراك، من يستدعيك في ذاكرته، يصير حاضنا لجزء منك. هكذا تصبح ذاكرتك ممتدة، ورغباتك كذلك، كأن الكائن لم يعد يسكن جسده، بل يسكن في أنظمة غير مادية…

في كتابه “الزمن والآخر” يفكك إيمانويل ليفيناس هذه الفكرة حين يؤكد أن الوجود لا يكتمل في انعزاله، بل يتشكل في نظر الآخر، في حضوره، في إدراكه لك. وجودك الرقمي ليس مرآة لك، بل مرآة للكيفية التي يراك بها العالم. أنت، حين تُرى، تتعدد…

وهكذا، تتحول أنت إلى فكرة، إلى لحن، إلى أثر. هناك من يحتفظ بك في ذاكرته الموسيقية، هناك من يراك بعينه الداخلية، وهناك من يعيد تشغيلك في ذهنه حين تصادفه لحظة صمت. الذات إذن لا تُعرّف فقط بالجسد، بل بمدى طيفها، بقدرتها على الامتداد، بالتردد الذي تحدثه في محيطها…

المسألة لم تعد تقتصر على الحضور الفعلي، بل على الحضور الإيحائي، التخيلي، الرمزي. وهذا ما يجعل وجودك موزعا بين أجهزة، شاشات، أذهان، خيالات، صور. أنت تحس ولا تُلمس، تُسمع دون أن تُرى، تُرى دون أن تكون موجودا. كل هذا يضع سؤال الكينونة في قلب معضلة فلسفية جديدة: من أنت حين تُرى في أكثر من مكان، وتُؤثر في أكثر من نفس، وتُستحضر بطرق لا تعد؟

قد يكون الجواب أن الإنسان، في زمن الصورة، صار طيفا هاربا من جسده. صار كيانا هولوغرافيا، تحركه الأثيرات، ويصوغه التفاعل. صار المتعدد في واحد، والواحد في كل.

التعليقات مغلقة.