هل خرجت كرة القدم عن نطاقها الرياضي؟

الانتفاضة // إلهام أوكادير

جميل أن تستمتع الشعوب برفاهية المتعة والإثارة التي لطالما قدمتها بطولات كرة القدم، سواء على المستوى المحلي أو القاري والعالمي خاصة، هاته اللعبة المستديرة التي أخذت أنظار العالم واهتمامه الكبير، والتي تتخذ اليوم أشكالا عديدة من الإستثمارات الرياضية والإقتصادية، والتي تحولت من رفّ الترفيه، إلى مستودعات الإنتصارات الإقتصادية والسياسية، هناك حيث اتخذت ابعادا عريضة، لم يسبقها إليه سوى الذهب والبترول.

لطالما ادهشنا الإمتداد القاري والعالمي الذي أضحت تنتهجه لعبة الأقدام هذه، التي أصبحت هاجسا نفسيا أكثر مما هو رياضي، حيث تتداخل حسابات الإنتماء العرقي،والقاري، والمحلي والديني والثقافي وكذا السياسي، لتتحول منافسات كرة القدم إلى منافسة بين الدول الممثلة لها بحدّ ذاتها، حيث يشعر مشجع كل فريق بثورة معنوية من الدعم الإنتمائي والعرقي والثقافي وغيره، لتفور على إثر ذلك نفوس المتابعين، صادحة بشعارات النصر والفوز، وكأنه فوز شخصي لا رياضي.

على ما يبدو، فإن كرة القدم تشكل اليوم ذاك العرق النابض الذي يحرك جميع أفراد المجتمع، من صغيرها إلى كبيرها ذكوراً وإناثاً، وهو ما شاهدناه في شوارعنا المغربية وغيرها من احتفالات عفوية، تنتهي معها همومهم، وهم يحملون الأعلام ويتغنّون بهتافات التشجيع و النصر، ما يجعلك تشعر بأن الجميع في أحسن حال، حيث تخلو التجمعات من الإحتقان و العنف، وهو أمر إيجابي و مستحسن في كرة القدم المحبوبة.

إلا أننا الييوم وللأسف، أصبحنا نرى العديد من السلكيات التي تصدر أحيانا من شعوب المنتخبات المتنافسة، وأحيانا أخرى من لاعبي المنتخبات المعنية، والتي تهدف في عمقها الإهانة والإستفزاز، الذي يخرج المنافسة الرياضية من سياقها الصحيح، لتعُجّ حسابات المتابعين على السوشل ميديا بالفيديوهات الساخرة والمستفزة التي لا يقتصر موضوعها على نطاق التنافس الرياضي، بل يمتدّ إلى اصدار مقارنات فارغة تنهش في قيم الشعوب ومكانتها الإقتصادية، ورفاهية والمشاكل التي تتخبط فيها، كمحاولات لاظهار ضعف الطرف المنافس، وعرض مساوئه، والقيام بإعداد أفلام الفوتوشوب لإنتاج محتوى السخرية وتداوله على نطاق واسع، وكأنّ المعركة عسكرية لا رياضية، في ضرب سافر للقيم والأخلاق والتربية السوية والوح التنافسية النقية، التي يُفترض أن تتمتع بها الشعوب التي تمارس هته اللعبة، وهو الأمر الذي يجعلنا نحير في تصنيفه، أهو نتاج مباشر للتنافسية المستمرة التي تقام على رأس كل سنتين إلى أربعة، أم أنها مجرّد عقد نفسية سرعان ما تجد متنفسا لها عبر هاته المباراة الكروية.

ففي الوقت الذي نتداول فيه أزمة أخلاقيات التنافس الرياضي، الذي لا يتعلق فقط بالمنتخبات العربية أو الإفريقي، بل إنه يمتد إلى بعض المنتخبات العالمية والتي تطبع لقاءات مبارات كأس العالم، كالمنتخبات الصغيرة للأرجنتين و فرنسا، التي غالبا ما تنهج حركات و تصاريح جد مستفزة للاعبيها، والتي تدخل في باب إرباك الخصم واستفزازه، وذاك ما شهدناه عقب مباراة كأس العالم للشبان،فضلا عن مانشاهده في المباريات الحاسمة وفوق أرضية الملاعب من تدخلات دفاعية وهجومية تتميز بالعنف والشراسة، لا نكاد نصدق أن من يقوم بها لاعب رياضي.

ولن ننسى وما تتفرّد به الجماهير المشجعة من حصة الأسد من الإستفزاز العاطفي، والتي تحتكر وسائل التواصل الإجتماعية، بكل ما هو تهكُمي، في لوقت الذي تمنحنا فيه جماهير أخرى عقب بطولات ضخمة، كالدوري الإنجليزي لكرة القدم على سبيل المثال، دروساً جميلة في حسن الفرجة والتشجيع والانتظام واحترام الخصم، هناك حيث الفرق تمنح مستويات عالية من الفرجة الجميلة واللعب المتفاني والدقة في التصويب، والجماهير المشجعة الهادئة والجميلة بكلّ المقاييس، والتي تجعل عدسات المصورين تحير بين نقل تعابير وجوههم المنيرة المبتسة  ومجريات المباراة،

من كل ذلك، نتمنى أن تتخذ بعض جماهيرنا الهائجة من ذلك مثالا، لتبقى بطولات كرة القدم ضمن سياقها التنافسي والعقلاني، وأن لا يمتد الأمر لما هو استفزازي وناقد، ما قد يسبب المهانة والإحراج لنفوس الشعوب المنافسة، وهو الأمر الذي لن يقف عند حدود البطولة، والذي غالبا ما يمتد إلى وصمات عار مخزية تنفر الشعوب من بعضها البعض، وتثير البغض والحقد الذي نحن في غنى عنه، فنحن نتفهم طموحات البلدان ورغبتها في تربع المراتب الأولى وهو حق مشروع، لكن كثيرا ما أثبتت صحة الأخلاق، أنّ طريقة الحصول على الشيء، تبقى أهم من واقع الحصول عليه.

التعليقات مغلقة.