الانتفاضة // نور الهدى العيساوي
عاد الجدل حول المجلس الوطني للصحافة إلى الواجهة في المغرب مع مناقشة مشروع القانون رقم 026.25، الذي يهدف إلى إعادة تنظيم المجلس وتحديث هياكله. هذا النقاش الذي تجاوز الجانب القانوني ليكشف صراعًا بين رغبة الحكومة في إصلاح المؤسسات الصحافية، ومخاوف النقابات والناشرين من المساس بالاستقلالية المهنية للصحافيين.
فقد عكست حلقة برنامج “مباشرة معكم” التي بُثّت على القناة الثانية هذا التوتر، والتي عرفت مشاركة وزير الشباب والثقافة والتواصل “محمد المهدي بنسعيد”، ومدير نشر جريدة العلم “عبد الله البقالي”، ورئيس الفيدرالية المغربية لناشري الصحف “محتات الرقاص”، ورئيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية “عبد الكبير أخشيشن”.
تواجه مهنة الصحافة بالمغرب تحديات كبيرة، تشمل تراجع جودة المنتوج الإعلامي، واتساع دائرة الممارسين غير المؤطرين، وانهيار النموذج الاقتصادي للصحافة الورقية والرقمية. في هذا السياق، يرى البعض أن المجلس الوطني للصحافة بحاجة إلى إصلاح جذري يضمن تأطير المهنة واستعادة هيبتها، بينما يثير مشروع القانون مخاوف حقيقية بشأن استقلالية التنظيم الذاتي وتوازن القوى بين الدولة والفاعلين المهنيين، مما يجعل النقاش حوله أكثر تعقيدًا من كونه مجرد تعديل إداري.
فقد دافع الوزير “محمد المهدي بنسعيد” عن المشروع باعتباره خطوة أساسية لضبط المشهد الصحافي، مشيرًا إلى أن الإصلاح يشمل حوكمة المجلس وتحديث شروط العضوية وآليات التأديب، حيث قال: “مشروع القانون ليس مجرد نص تشريعي جديد، بل محطة متكاملة لتحديث المشهد الإعلامي بالمغرب.” وأضاف: “النقاش حول المجلس الوطني للصحافة، لاستمر أكثر من عشرين سنة، والهدف إخراج مجلس يتمتع باستقلالية حقيقية وفعالية”، وشدد الوزير على أن “من حق الجمهور معرفة أسماء الصحافيين المستفيدين من البطاقة المهنية لضمان الشفافية.”
في المقابل، عبّر “عبد الكبير أخشيشن” عن موقف نقدي من المشروع، محذرًا من أن بعض البنود قد تهدد الاستقلالية المهنية، قائلاً: “إذا تحولت بنية المجلس إلى هيئة ذات طابع سلطوي، سنفقد استقلالية القرار المهني”، وأضاف: “التغييرات في آليات التمثيل قد تؤدي إلى تدوير للهيمنة بدل تمثيل حقيقي للصحافيين.”
أما الناشرون، “عبد الله البقالي” و “محتات الرقاص”، فقد ركزوا على الجانب الاقتصادي للصحافة، مؤكدين على ضرورة تمثيل الناشرين بشكل عادل، وقالوا: “المجلس يجب أن يعكس الواقع الاقتصادي للصحافة، ويأن أخذ بعين الاعتبار الضغوط التي تواجهها المقاولات”، وأضافوا: “معايير التمثيل لا يجب أن تهمش أصوات الناشرين الصغار أو تحرمهم من المشاركة في القرارات.”
يتضح من الحوار وجود ثلاثة اهتمامات متقاطعة؛ فالحكومة تسعى إلى تأطير المهنة وتحديث المؤسسات وضمان استمرارية المجلس وقدرته على الرقابة، بينما تروم النقابة الحفاظ على استقلالية التنظيم الذاتي وتحذر من أي تدخل قد يضعف حرية الصحافيين، في حين يركز الناشرون على الاستدامة الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية. والرهان الأساسي يكمن في إيجاد توازن بين الحرية المهنية والتنظيم الذاتي والاستقرار المؤسسي، وهو تحدٍ لم يُحل بعد.
يمكن أن يكون تأثير القانون على حرية الصحافة والتنظيم الذاتي إيجابيًا إذا نُفذت الضمانات بشكل فعلي، إذ يوفّر إطارًا يحمي المهنة ويعزز الأخلاقيات ويضبط السوق الإعلامي. في المقابل، قد يؤدي توسيع دور الدولة في التعيينات أو سن شروط استبعاد صارمة، إلى تقييد حرية التعبير وتقليص استقلالية القرار المهني.
يبقى الجدل حول مشروع القانون مؤشرًا على صراع مركزي قائم، بين الحاجة للإصلاح والتحديث، والحفاظ على المكتسبات المهنية والاستقلالية، وتبقى القدة على صياغة رؤية توافقية تجمع الحكومة والنقابات والناشرين، وحدها القادرة على أن تضمن بأن يكون المجلس الوطني للصحافة هيئة مستقلة تحفظ حرية التعبير وتأطر المهنة بفعالية، بعيدًا عن أي صراعات مصالح ضيقة. إذ أنه وفي ظل تراجع ثقة الجمهور في الإعلام، تصبح هذه الصياغة التوافقية ضرورة لضمان إعلام مهني ومسؤول، يحافظ على كرامة الصحافة ويخدم المتلقي المغربي.
التعليقات مغلقة.