مراكش… حين يُهزم القانون أمام النفوذ السياسي: مستشارة مُدانة بالنصب و الرشوة تواصل مهامها بلا مساءلة

الانتفاضة // شاكر ولد الحومة

في وقت ترفع فيه الدولة شعارات تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد داخل المؤسسات المنتخبة، تعيش مقاطعة مراكش المدينة مفارقة صادمة: مستشارة جماعية أُدينت بحكم نهائي في قضايا الرشوة والنصب، قضت عقوبة حبسية، وما زالت تمارس مهامها الانتدابية بشكل عادي داخل المجلس؛ تستقبل، وتشارك، وتقرر… وكأن شيئًا لم يحدث.

هذه الحالة، بما تحمله من خرق سافر للقانون التنظيمي المتعلق بالجماعات، تكشف ربما لأول مرة بهذا الوضوح سؤالًا جوهريًا حول استقلالية المؤسسات وقدرة القانون على فرض نفسه عندما تتقاطع السياسة مع المصالح.

■ بين وضوح القانون وغياب تطبيقه: أين يكمن الخلل؟

القانون التنظيمي رقم 113.14، الذي يُعد مرجعية تدبير الشأن المحلي، يضع حدودًا دقيقة للحالات التي يفقد فيها المنتخب أهليته. تنص المادة 64 بوضوح على سقوط عضوية كل منتخب صدر في حقه حكم نهائي بعقوبة سالبة للحرية في قضايا الفساد أو الجرائم المخلة بالشرف.

وتعزز المادة 20 هذا المسار عبر اعتبار المنتخب — رئيسًا كان أو نائبًا أو حاملًا لمهام انتدابية مماثلة — في حالة انقطاع عن مزاولة المهام إذا:
– فقد أهليته الانتخابية،
– أو أُدين بحكم نهائي يمسّ الشرف أو النزاهة،
– أو خضع لعقوبات تُلغي صفته التمثيلية.
هذه المادة لا تترك بابًا للاجتهاد. فالإدانة القضائية النهائية في جرائم الرشوة والنصب كافية قانونيًا لإيقاف المعنية فورًا عن ممارسة أي مهمة انتدابية، و لاسيما أنها قضت عقوبة حبسية تجاوزت 6 اشهر نافدة.
ومع ذلك، يحدث العكس تمامًا في مراكش.

■ المعطى السياسي: عندما يصبح القانون رهينة التوازنات

المستشارة المعنية تنتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة (البام)، ودخلت الانتخابات إلى جانب فاطمة الزهراء المنصوري، عمدة مراكش ووزيرة التعمير، التي قادت لائحة الحزب في المقاطعة.

هذا التقاطع السياسي يجعل السؤال مشروعًا:

-هل تعطّل سلطة الوصاية تفعيل القرار اتقاءً للصدام مع القيادة المحلية للحزب الذي يدبّر المدينة؟
-هل الولاء التنظيمي أقوى من إلزامية القانون؟

إذا صحّ هذا التأويل، فإن الأمر لا يتعلق بحالة فردية، بل بمنزلق خطير يمسّ مبدأ فصل السلط ويُفرغ القوانين التنظيمية من قيمتها.

■ التناقض الفاضح مع الخطاب الرسمي

قبل أسابيع، أكّد وزير الداخلية نفسه أن: “المدانين والمتابعين في قضايا الفساد والشرف لا مكان لهم داخل التسيير ولا في المجالس المنتخبة.”

غير أن استمرار هذه الحالة في مراكش يفتح الباب أمام أسئلة محرجة:

هل تتحقق المساواة أمام القانون في كل الجهات؟

أم أن بعض المدن — وبعض الأشخاص — يتمتعون باستثناءات غير معلنة؟

وكيف يُطالب المواطنون بالثقة في المؤسسات إذا كان القانون يُطبَّق انتقائيًا؟

■ الأثر الأعمق: أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة قانون

ما يحدث في مراكش ليس مجرد مخالفة مسطرية، بل ضربة مباشرة لروح الدستور ومبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

فحين تستمر مستشارة مُدانة بالرشوة و النصب و ثابت في حقها و الاكثر من ذلك انها قضت عقوبة الحبس التي وصلت لثمانية اشهر في الجلوس داخل مجلس منتخب تشارك في اتخاذ القرار:

تُشَرعَن الممارسات غير الأخلاقية،
وتُضرب مصداقية المؤسسات،
وتصبح النصوص القانونية مجرد “ديكور تشريعي” بلا قوة إلزامية،
وتتعزز قناعة المواطن بأن النفوذ أقوى من المساءلة.

■ الخلاصة: اختبار حقيقي لدولة القانون

القضية ليست شخصية ولا ظرفية؛ إنها اختبار جدي لمدى قدرة المؤسسات على احترام القانون عندما يكون المعنيون به محسوبين على أحزاب نافذة.

ومن حق الرأي العام أن يسأل:

هل ستتدخل وزارة الداخلية لتفعيل المادة 20 والمادة 64، أم سيظل القانون معلقًا إلى أن تتغير الحسابات السياسية؟
وهل تتجه مراكش إلى نموذج يُطبَّق فيه القانون على الضعيف ويُجَمَّد عند حدود الأقوياء؟

في انتظار الإجابة، تبقى هذه الواقعة واحدة من أكثر الملفات التي تمتحن صدقية الخطاب الرسمي حول تخليق الحياة العامة… وتختبر حدود دولة القانون على أرض الواقع.

التعليقات مغلقة.