الإنتفاضة // محمد أمين وشن
لم تكن تصريحات وزير التربية الوطنية الأخيرة مجرد تعليق عابر أو سوء تعبير لغوي، بل كانت مرآة صادقة للرؤية التي تقود المنظومة التعليمية اليوم. ففي لحظة سياسية دقيقة، يختار الوزير أن يصنف الأساتذة بين “مْخيّر” و“أكفسهم”، وأن يعترف بأن المناطق النائية، تُوجَّه إليها أطقُم تعليمية ذات خبرة محدودة، وأن يُلمّع صورة “المدرسة الرائدة” كخيار إستثنائي، يمنح امتيازات لفئة من المؤسسات على حساب غيرها.
فتصريحات الوزير هاته ليست بالبريئة، إنها تكشف عن عمق الفلسفة التي تحكم السياسات العمومية في التعليم، وتضع على الطاولة أسئلةً مقلقة حول العدالة وتكافؤ الفرص، ودور الدولة في حماية المدرسة العمومية.
فمن حيث الشكل قد يبدو كلام الوزير محاولة للدفاع عن جودة التعليم، لكنه في الجوهر يطرح إشكالاً خطيراً يكمن في: من منح الوزير حق تصنيف الأساتذة بهذه الطريقة المهينة؟، ومن سمح بأن يتحول النقاش العمومي حول المدرسة إلى تقييمات سطحية، لا تمت بصلة للواقع المهني المعقد؟
فالأستاذ الذي يشتغل وسط أقسام مكتظة وفي حجرات متهالكة، تحت ضغط الزمن المدرسي المختلّ ومن دون دعم بيداغوجي، ولا أي تكوين مستمر حقيقي، ليس مسؤولاً عن اختلالات بنيوية راكمتها الدولة لسنوات.
كما أن تحميل المدرس وحده مسؤولية الفشل، هو أسلوب قديم لإخفاء أعطاب السياسة، لا أعطاب الممارسة.
إن الاعتراف بأن المناطق النائية توضع فيها أطر بدون تجربة ليس تصريحاً عادياً، بل هو إقرار رسمي بأن الدولة قد انتهجت سياسة التمييز في حق التلميذ القروي أو المنحدر من المناطق المهمشة.
فإذا كانت الوزارة نفسها تعترف بغياب العدالة في توزيع الموارد البشرية، فإننا أمام ضربة مباشرة لجوهر الدستور، الذي ينص في فصله ال31 على حق كل المواطنين في تعليم جيد، وفي ظلّ شروط متكافئة، إذ كيف يمكن أن نتحدث عن الإنصاف ونحن نضع الأقل خبرة في المسارات الأكثر هشاشة؟، وكيف نتحدث عن دولة اجتماعية وهي تعيد إنتاج اللامساواة داخل المدرسة، وعبر بوابة التعيينات؟.
ثم تأتي مسألة “المدرسة الرائدة” التي يقدّمها الوزير كقصة نجاح نموذجية باهرة، والتي تريد أن تقتدي بها أو تطلب محاكاتها دول متقدمة حسب ما يُزعم، إلا أنّ الحقيقة الميدانية تطرح وبقوة سؤالاً جدليا مفاده: أ نريد مدرسة ممتازة لأقلية؟ أم أننا نريد مدرسة عمومية وجيدة لعموم المغاربة؟ فحين تُمنح الموارد والتجهيزات والاهتمام الإعلامي لفئة قليلة من المؤسسات، بينما تبقى عشرات الآلاف من المدارس خارج حسابات الإصلاح، فنحن بذلك لا نصنع نموذجاً تعليمياً ناجحاً، بل نصنع طبقية تربوية جديدة، حيث مدارس ذات امتيازات وأخرى لما تبقى منها.
وهذا ما يمكن وصفه بأنه تراجع خطير عن فلسفة المدرسة الوطنية الموحدة، التي حملت ولعقود، حلم الإنصاف الاجتماعي.
إن التعليم سيدي الوزير المحترم ليس منصة لتلميع المشاريع التجريبية، ولا فضاء لخلق بؤر نموذجية بغرض استعراض النتائج.
فالاصلاح التربوي الحق يُبنى على أساسين، الأول هو الإنصاف، والثاني هو الشمولية، وحينما يُضرب أحدهما يفقد الإصلاح معناه، كما أن اي إصلاح يجعل تلميذ الدوار أقل حظاً من تلميذ المدينة، أو يضع أستاذ العالم القروي في مركز أقل قيمة مقارنة بأستاذ المؤسسة “الرائدة”، هو إصلاح ناقص ومعطوب، بل مُقوِّض لروح المدرسة العمومية.
فتصريحات الوزير هذه كشفت ربما دون قصد، أن رهان الوزارة ليس بناء مدرسة قوية، مدرسة تثق في الأساتذة و تعتمد توزيعا عادلا للموارد المدرسة، المبني على سياسة اجتماعية تكسر الفوارق. بل رهانها الأساس هو بناء صورة قوية مبنية على خطابات، حمولتها تجارب معزولة، وبلغة تبحث عن شماعة جاهزة للأستاذ تارة و للمتصرف التربوي تارة أخرى، ولربما المفتش أحيانا.
إن الخطاب الرسمي حين يكون حاملاً لبذور التمييز، وعندما يعترف الوزير بوجود خلل بنيوي دون أن يقدم اعتذاراً أو يعجز عن تقديم خطة واضحة لمعالجته، فنحن لا نتقدم نحو الإصلاح، بل نحو شرعنة نقيضه.
لقد آن الأوان لإعادة النقاش إلى جادّته، ليصير السؤال عوض من هو الأستاذ “المْخيّر”، إلى ماذا فعلت الدولة لتوفر لكل أستاذ شروط التميز ؟، وعوض هل المدرسة الرائدة ناجحة؟، إلى كيف نجعل كل المدارس متمبزة؟، وعوض لماذا المناطق النائية فيها نقص في التجربة؟، إلى لماذا تُترك هذه المناطق أصلاً خارج أولويات التنمية؟.
إن التعليم السيد الوزير ليس مجالاً للتمييز، بل هو الفضاء الذي يفترض أن يمحو كل أشكاله. وإذا كانت تصريحاتك قد أعادت النقاش حول المدرسة العمومية، فهي كشفت سهوا عن حقيقتها.
التعليقات مغلقة.