الانتفاضة/ بقلم: سمير السباعي
في إطار تنظيم المهرجان الدولي “جدبة و كلام في دورته الخامسة –دورة المرحوم عثمان بنعليلا- الذي نظم ما بين 21 و 23 نونبر 2025 من طرف جمعية اللمة للفن والثقافة بتعاون مع وزارة الشباب والثقافة و التواصل و مقاطعتي ابن مسيك و سباتة، شهد مسرح ابن مسيك مساء يوم السبت 22 نونبر 2025 أمسية ثقافية فكرية حاول من خلالها عدد من الفاعلين و المهتمين بالفن الغيواني رصد واقع هذه الأخير من مداخل موضوعاتية متعددة.
الأغنية الغيوانية و زخم ذاكرة التأسيس
تشكل الأغنية الغيوانية بما تحيل عليه من تحول تاريخي في المشهد الثقافي المغربي هوية و ذاكرة جمعية لها مقعد أصيل إن صح التعبير، في حوليات تاريخ الفن المغربي بامتياز، خصوصا أن هذه المكانة الثقافة تأسست على حفر الرواد المؤسسين للحركة الغيوانية في الموروث الشعبي الشفهي الضارب بجذوره في أعماق تاريخ المجتمع المغربي كما جاء في حديث للإعلامي عبد الله لوغشيت والباحث الأكاديمي هشام شوق. و لا يمكن هنا إغفال ما كان للفعل المسرحي من أثر واضح في بزوغ فجر الأغنية الغيوانية على اعتبار أن أغلب روادها الأوائل أمثال العربي باطما و بوجميع و علال يعلى وعمر السيد و محمد دخوش الروداني، قد عانقوا مبكرا بشكل مسرحي تعبيري أنفاس الغناء الغيواني فوق الخشبة خاصة بعدما أتيحت لهم فرصة الالتقاء بشخصيات و التعرف على متون من التراث الشعبي حين الاشتغال في مسرح الراحل الطيب الصديقي و المشاركة في مسرحيات ممثل المجذوب و سيدي ياسين في الطريق و في انتظار مبروك كما جاء في معرض كلام القيدوم محمد بلحاج. وقد شكلت هذه التجربة المسرحية نقطة تحول نحو اختمار فكرة مشروع تأسيس الغناء الغيواني منذ الإرهاصات الأولى لفرقة الدراويش الجدد، عبر مسار اختار له مؤسسوه أن يبحثوا في تراث فنون القول الشعبي المغربي كفن الملحون مع جيل جيلالة أو الصوفي الكناوي و البدوي مع ناس الغيوان لأجل إنتاج ممارسة غنائية مغربية أصيلة أكيد أن وقعها الجماهيري كان كبيرا. خصوصا إذا علمنا أن تنوع أجناس الغناء الغيواني حينها و توظيفه لآلات موسيقية شعبية مثل الطامطام و السنتير والطعريجة و انبثاقه من داخل أحياء شعبية ذات حمولة ثقافية تاريخية كالحي المحمدي بالدار البيضاء هي عوامل مؤثرة ساهمت في توليد لحظة التلقي الجمعي لهذا النمط المغربي القديم الجديد، كما يستنتج من أحاديث المتدخلين شوق وبلحاج والباحث الموسيقي مصطفى أحريش وعبد المجيد مشفيق أحد مؤسسي السهام.
الفن الغيواني: عوامل في نجاح الاستمرارية
أعلن ظهور الغناء الغيواني منذ ما يقارب حوالي الستين سنة عن رجة في الأوساط الثقافية أو عند جمهور المتلقي بشكل لا يمكن تجاوزه أو إغفاله، لدرجة أن عددا من الكتاب الصحفيين الرواد مثل الكاتب الصحفي الراحل محمد باهي حينها قد تفاعلوا مبكرا عبر القلم مع ولادة التجربة. لكن في واقع الأمر الحركة الغيوانية و إن بدت في أول أمرها تجربة لغناء شعبي بما تحيل عليه الكلمة من بساطة في التلقي، فإنها حملت معها ذاتيا شروطا كبرى ساهمت بشكل كبير في توليدها المستمر ثقافيا و فنيا إن على مستوى الحرفية الموسيقية العالمة التي أبان عنها بعض الرواد من قبيل علال يعلى الذي نجح في مغربة آلة البانجو، و الشريف المراني الأب الروحي للمشاهب صاحب آلة الموندولين الفريدة، بشكل أنتج قطعا غنائية غيوانية ما تزال راسخة في ذاكرتنا السمعية، أو على مستوى قدرة الفرق الرائدة مثل جيل جيلالة مع غناء الملحون في استنطاق التراث الشعبي إيقاعا و كلمة لجعله قاعدة أساسية لإنتاج غنائيات شعبية أصيلة لصالح الجمهور الجمعي(من حديث شوق و أحريش). علما أن طابع الجدية و لحمة الاستقرار و الخلفية الأكاديمية التي وسمت مسارات بعض فرق امتداد الفن الغيواني كمجموعة السهام، هي محددات إضافية كانت مساهمة في دعم استمرارية مشروع الحركة الغيوانية منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي حيث أن السهام هنا في فترات معينة سينحاز أعضاءها إلى توظيف الإيقاع الإلكتروني و الاشتغال على مواضيع راهنية محددة بعيدا عن عموميات المواضيع المستهلكة عبر إنتاج أغاني رصدت عددا من القضايا المجتمعية ذات البعد الشعبي و الوطني القومي من خلال كتابة نصية رصينة سهلة وممتنعة في نفس الآن كما جاء في مداخلة عبد المجيد مشفيق.
الأغنية الغيوانية و أسئلة تجديد الممارسة اليوم
يشكل توليد آفاق لتجديد الفن الغيواني في مغرب اليوم مطلبا كبيرا ليس للحديث عن سرديات مستهلكة على حد تعبير الإعلامي و الباحث في الثقافة الشعبية العربي رياض خلال هذا اللقاء، و إنما للبحث عن ممكنات جديدة عمليا ستسمح لا نقول باستمرارية الحركة الغيوانية فهي الآن شئنا أم أبينا ذلك تراث ثقافي مغربي بامتياز، و إنما تمكن من ضمان فتح قنوات اتصال ثقافية شعبية و تثقيفية في الآن نفسه للأغنية الغيوانية مع جيل مغربي صاعد كما عبر عن ذلك لوغشيت. جيل يبدو أن له خصوصية تاريخية مغايرة نسبيا عن الأجيال التي عايشت و كبرت مع الغناء الغيواني خصوصا أن منطق السوق المتحكم حاليا في حركية المجتمع يفرض طرح أسئلة جوهرية حول كيفية التعامل مع قيم جديدة منطقها المحرك هي السرعة و الاستهلاك كما جاء صرح بذلك لوغشيت نفسه.و تفتح بعض المداخل ممكنات عملية لتحقيق لتجديد في ممارسة الفن الغيواني خاصة على مستوى تثمين الذاكرة الفنية والموسيقية لهذا النمط الثقافي داخل مؤسسات التعليم الموسيقي المغربية، مع العلم أن تجربة كتابة عدد من قصائد ناس الغيوان بلغة المدرج الموسيقي سيسمح بقراءة عالمة و أكاديمية خاصة من طرف الأجانب للأغنية الغيوانية، بما يمنح فرصا سانحة للتوثيق والأرشفة خصوصا إذا ما تم الانتباه إلى أهمية الحفر التاريخي في ذاكرة عدد من رواد الحركة الغيوانية، كل ذلك في سبيل جعل هذا التراث الغنائي أفقا ثقافيا، لتأكيد هويتنا الجمعية على المستوى الكوني كما جاء في إشارات رياض و لوغشيت وشوق و عاريف رضوان و عبد الكريم جلال.
التعليقات مغلقة.