الانتفاضة/ اكرام
في زمن تتراجع فيه مساحات التعبير الحر، وتتعاظم فيه سلطة الخطاب الرسمي وشبه الرسمي، يبرز مشهد صادم يهز ما تبقى من ثقة في البُنى المهنية التي يفترض أن تكون حصونا للحقيقة. فالصمت المطبق الذي خيم على بعض الأبواق الإعلامية المقربة من السلطة إزاء ما وقع داخل مقر إحدى مؤسسات الصحافة الوطنية، لم يكن مجرد لا مبالاة؛ بل بدا وكأنه جزء من هندسة أوسع لإعادة تشكيل الوظيفة الصحفية بما يخدم منطق الضبط والتأديب.
ما جرى لم يكن حادثة عابرة أو سوء تقدير لحظة غضب، بل كان — في نظر عدد من المتابعين — محطة كاشفة لمسار انحداري طويل، تتقلص فيه المسافة بين المؤسسات المهنية وأجهزة السلطة، بينما تتسع الهوة بينها وبين رسالتها الجوهرية: حماية حرية التعبير والدفاع عن الصحفيين، لا التنكيل بهم.
في الغرفة التي يفترض أن تكون فضاء لاحترام القواعد المهنية وتحكيم العقل، ظهر مشهد أقرب إلى محاكمة شعبية، اختلطت فيها الاتهامات الجاهزة بالمواقف المنفعلة، وغابت فيها الضمانات الأساسية لأي نقاش مهني نزيه. لم يكن المشهد مجرد سوء تدبير، بل تجسيدا لنزعة مقلقة: تحويل الأخلاقيات المهنية — التي وجدت أصلا لضمان الشفافية والنزاهة — إلى أداة لإخراس الأصوات الحرّة.
لقد أثار المقطع المصور الذي انتشر على نطاق واسع صدمة حقيقية. لا لأنه يوثق لحظة انفلات فحسب، بل لأنه كشف لغة متشنجة، وتهجما لا يليق بمؤسسة يناط بها الدفاع عن حرمة الكلمة. بدا وكأن الزمالة تحولت إلى سلاح، والمهنية إلى قناع تدار من خلفه معارك تصفية الحسابات. وهي صورة خطيرة لا تهين شخصا بعينه بقدر ما تسيء إلى الصحافة المغربية وإلى من بقي فيها من طاقات شريفة.
وإذا كان قرار سحب بطاقة الصحافة — في سياقات مماثلة — يقدّم بوصفه إجراء تأديبيا داخليا، فإن توظيفه خارج سياقه الطبيعي يثير مخاوف جدية. إذ يرى العديد من المتابعين أن فقدان البطاقة المهنية قد يتحوّل إلى بوابة لنقل الصحفي من حماية قانون الصحافة والنشر — الذي يمنع سلب الحرية — إلى دائرة القانون الجنائي، بما يفتح الباب أمام محاكمات قد تصل إلى العقوبات السالبة للحرية. وهذا التحول، إن صح، يطرح سؤالا جوهريا: هل صارت المؤسسات المهنية قناة غير مباشرة لتأديب الأصوات، بدل أن تكون درعا يحميها؟.
التاريخ الحديث للصحافة المغربية يشهد فترات مد وجزر، لكن ما تعيشه المهنة اليوم — بحسب أصوات كثيرة داخل الحقل الإعلامي — ليس مجرد أزمة عابرة، بل اختبار حقيقي لقدرة الجسم الصحفي على الدفاع عن استقلاليته. فحين يصبح المجلس المهني نفسه موضوع اتهام من داخل الوسط الصحفي بأنه يوظف في معارك لا علاقة لها لا بالأخلاق ولا بالمهنة، فإن الحاجة إلى مراجعة شاملة تصبح أكثر إلحاحا.
المطلوب اليوم ليس فقط إدانة ما حدث، بل مساءلة أعمق حول المسار الذي تسير فيه الصحافة بالمغرب. إن المؤسسات التي يفترض أن تحمي حرية التعبير ليست معفية من الرقابة المجتمعية، ولا من النقد المهني، بل إن وجودها يفقد معناه حين تتحول إلى أداة لتوجيه الضربات بدل معالجة الخلل البنيوي الذي يعيق تطور المهنة.
إن ما وقع يضع النيابة العامة أمام مسؤولية دقيقة: التحقيق ليس في حادثة لفظية أو مشادة عابرة، بل في شبهة إخلال خطير بمبدأ الحياد الواجب في المؤسسات المهنية. كما يضع الصحفيين الشرفاء أمام امتحان صعب: إما الوقوف صفا واحدا لحماية كرامة المهنة، أو القبول بمنحدر قد يفقد الصحافة وظيفتها الديمقراطية بالكامل.
إن الأزمة التي انفجرت اليوم ليست مجرد خلاف داخلي، بل هي مرآة تعكس وضعا مؤسساتيا مهددا بالسقوط تحت وطأة التوظيف السياسي والبيروقراطي. والسكوت عنها لن يكون سوى مساهمة في إعلان وفاة مهنة شكلت يوما ضمير المجتمع وحارسة الحقيقة.
التعليقات مغلقة.