الانتفاضة // نور الهدى العيساوي
في مطلع أكتوبر الجاري، اهتزت الحدود الشمالية للمغرب على وقع محاولة هجرة جماعية نحو مدينة سبتة المحتلة، حيث حاول مئات الشباب اقتحام السياج الحدودي بحثًا عن حياة أفضل، في مشهد يعكس حالة من اليأس والإستعجال على الفرار من واقع يختنق فيه الحلم والفرص.
هذا الحدث لم يكن مجرد محاولة عبور حدود؛ إنه صرخة مدوية تعكس ضعف الإستجابة الإجتماعية والإقتصادية في المغرب، وتسائل نموذج الدولة الإجتماعية، الذي طالما نادى به الدستور والسياسات العمومية.
الهجرة الجماعية، في جوهرها، ليست ظاهرة جديدة، لكنها تأخذ أشكالًا متجددة حين تتفاقم عوامل الفقر، البطالة، التهميش، ونقص فرص التعليم والتكوين.
الشباب المغربي، وخاصة أولئك الذين ينحدرون من الأحياء الهامشية والمناطق النائية، يجدون أنفسهم أمام خيارات محدودة: البقاء في ظروف صعبة، أو المخاطرة بحياته عبر الهجرة السرية نحو الضفة الأوروبية.
المشهد الأخير في سبتة يعكس هذا التوتر، ويضع سؤال العدالة الإجتماعية في صميم النقاش العام: هل الدولة المغربية فشلت في توفير الحد الأدنى من الحماية والفرص لمواطنيها؟
من خلال تحليل العوامل الاقتصادية والاجتماعية، يظهر أن البطالة بين الشباب وصلت مستويات غير مسبوقة، وأن التفاوت الإقليمي في التنمية يفاقم إحساس الإقصاء.
كما أن الهشاشة التعليمية وغياب التكوين المهني الملائم يجعل الشباب غير مؤهل لسوق العمل الحديث، مما يزيد من فرص الإنخراط في شبكات الهجرة غير الشرعية، حيث وفي الوقت ذاته، تغيب برامج الدعم الإجتماعي الكافية، التي يمكن أن تخفف من حدة اليأس، لتصبح الحدود الخارجية مسرحًا لمعاناة داخلية عميقة.
الحل لا يمكن أن يكون أمنيًا بحتًا، فهو لن يوقف تدفق الراغبين في البحث عن حياة أفضل، بل يحتاج إلى مقاربة شاملة تُعيد بناء الثقة بين الدولة والمواطن، وتمنح الشباب أدوات النجاح داخل وطنهم، حيث أن تعزيز التنمية المحلية، ودعم المشاريع الإقتصادية، وتوفير التعليم والتكوين المهني الملائم، وإرساء نظام حماية إجتماعية فعّال، كلها عناصر تشكل حجر الأساس لمجابهة الهجرة السرية بطريقة إنسانية ومستدامة.
إن صرخة الشباب الذين حاولوا الوصول إلى سبتة المحتلة، هي في حقيقتها صرخة لكل المجتمع، تسائل الدولة: هل أنتم قادرون على بناء نموذج إجتماعي يمنح كل مواطن فرصة الحياة الكريمة؟ إذ وفي غياب إجابة حقيقية، ستظل الحدود، سواء المادية أو الإقتصادية والإجتماعية، مسرحًا لصراعات مستمرة، حيث يدفع الأضعف ثمن السياسات الناقصة.
ختامًا، محاولة الهجرة الجماعية نحو سبتة المحتلة ليست مجرد حدث عابر،، بل مرآة تعكس الإخفاقات الإجتماعية والإقتصادية، ودعوة عاجلة لإعادة النظر في أولويات الدولة تجاه مواطنيها. إنها صرخة تتطلب قراءة متأنية وإجراءات عاجلة، لضمان أن يصبح المستقبل في الداخل أكثر جاذبية وأمانًا للشباب، بدل أن يكون الخطر على الحدود خيارًا مضطرًا.
التعليقات مغلقة.