الانتفاضة // مولاي التهامي بهطاط
الحمد لله.. يبدو أنني ما زلت “أقشبل” قليلا في السياسة المغربية، ويبدو أن الايام أبدت ما كان خافيا على البعض.. “ويأتيك بالأخبار من لم تزود”..
ففي المقالات التي نشرتها منذ اندلاع حراك جيل “ز”، أكدت على انه لابد من “السياسة” في نهاية المطاف، وأن تباهي البعض بعدم تسييس هذا “الجيل”، هو شيء أقرب إلى النكتة، لأن النزول إلى الشارع حتى لو كان بسبب مطالب “اجتماعية” هو نوع من العمل السياسي.
كما نبهت إلى مخاطر رفع سقف التوقعات عاليا، لأن النتيجة ستكون إحباطا كبيرا جدا، وهو ما تأكد اليوم.
وحذرت ايضا من اللعبة الخبيثة التي كان البعض يلعبها من خلال الترويج لخطاب افتتاح الدورة التشريعية بأنه سيتضمن إقالة الحكومة وحل البرلمان، وتعيين حكومة تقنوقراطية، وإجراء انتخابات سابقة لأوانها، وضم وزارتي الصحة والتعليم إلى الوزارات السيادية، فهدف هذه اللعبة ليس سوى وضع الشباب في مواجهة القصر.
فطيلة الايام الماضية، كان بعض “الإعلاميين” و”المؤثرين” و”المحللين” يتكلمون وكأن المغرب يعرف ثورة عارمة، وأن ملايين المواطنين في الشوارع، وأن “الثوار” احتلوا العمالات ومراكز الأمن في جميع الاقاليم.. بينما لا يتعدى الواقع بضع مئات من الشباب الذين لا يملكون اية رؤية، ولا ثقافة سياسية أو دستورية، بل لقد تأكد فعلا أنهم يعيشون في عالم افتراضي.
والأيام المقبلة ستكشف نتيجة هذا الإحباط، هل تكون من باب “القناعة من الغنيمة بالإياب”، أم تصعيدا من نوع ما..
لكن في كل الأحوال، هناك درس لا مفر من تعلمه، ومؤداه أن “الدولة” تبقى في نهاية المطاف دولة، تحتكر العنف.. وكل شيء آخر، من الثروة إلى الشهرة.. مرورا بالتشهير والتنكيل.. والإعلام والاقتصاد..
ولهذا اقترحت سابقا، أن ينزل حراك جيل “ز” من العالم الافتراضي إلى أرض الواقع، وأن يلاعب الدولة بـ”السياسة”، لأن شروط الضغط عبر استعمال الشارع لا يمكن أن تتحقق لا اليوم ولا في مستقبل قريب، إلا إذا حدثت معجزة غير متوقعة.
إن الحيلولة دون التمديد للحكومة الحالية، والعمل على تغيير الخريطة البرلمانية، ومحاسبة المفسدين، وإصلاح قطاعات الصحة والتعليم والتشغيل، أمر ممكن فقط بـ”السياسة”، التي من تعريفاتها، أنها “فن الممكن”ن خاصة حين تكون موازين القوة مختلة.
لكن لا ينبغي أن يفهم من هذا الكلام أنه دعوة للاستسلام.
فالحراك الشبابي جرس إنذار غير كثيرا من اليقينيات، وسيكون من الغباء السياسي ألا تلتقط الحكومة، وخاصة رئيسها وحوارييه، رسائل هذا الحراك، علما أن تفاعل الدولة مع هذا المستجد، لن يكون حتما عبر الخطب أو إجراءات “شعبوية” ترضي “نافخي الكير” من “المؤثرين”.
وما زلت مصرا على أن هذا الشباب يمكن أن “يفعفع” الدولة فعلا إذا لاعبها في ساحة الانتخابات، على علاتها، لأن رفع نسبة المشاركة، ودعم المرشحين النزهاء، والتجييش ضد الكائنات الانتخابية، ربما سيكون تأثيره أكبر، خاصة وأن “الدولة” لا يمكن ان تواجهه بالعنف، لأنها ستكون تحت اضواء المراقبة العالمية.. فتنظيم المونديال ليس فقطا عرسا رياضيا كما يسوق له البعض، بل هو مناسبة ينبغي استغلالها لتوسيع “قشابة” الديموقراطية التي تضيق باطراد..
أما إذا تركت مؤسسات المغرب المنتخبة، في يد من يبيعون اصواتهم بدراهم معدودة، فحتى إذا تم تغييب اخنوش، فإن البديل لن يكون إلا اكثر سوء.. ولن ينصلح حال الصحة والتعليم والشغل.. لأن حكومة “المونديال” ستتعامل بعقلية الأم التي تعد العدة لعرس أحد أولادها.. فكل الأولويات مجمدة حتى لا “تتحشم” أمام قريباتها وجاراتها وصديقاتها وعدواتها..
التعليقات مغلقة.