الانتفاضة // سعيد حجي
رأيت تظاهرة تطوان وغيرها من المدن ، وهي تنبعث من قلب الغضب في مشهد نادر من الوعي الجمعي. لا تكسير، لا حرق، لا صراخ منفلت. المحتجون يسيرون كتفا بكتف مع القوات العمومية، في توازن بين الانفعال والمسؤولية، كأن الشارع استعاد وعيه فجأة من غفوة مؤقتة…
هنا تذكرت، بل واشفقت، على أولئك المحرضين من خارج الحدود، الذين ظلوا يراقبون البلد كصيادين يتربصون بلحظة الانهيار. هؤلاء الذين كانوا يراهنون على لحظة الفوضى، تذكرتهم بشيء من السخرية، وتخيلت الان بطونهم تضطرب من المغص، وعيونهم ستظل مفتوحة حتى الفجر في خيبة الانتظار.
كيف يعقل أن تتحول الشوارع التي اعتقدوا أنها تحترق، إلى شوارع تمشي فيها الجماهير جنبا إلى جنب مع رجال الأمن وتقدم لهم الورود ، كما لو أن الجميع اتفق، دون تنسيق مسبق، على إنقاذ الوطن من أيديهم هم لا من أنفسهم؟
الذين يقفون خارج الحدود، يراقبون هذا البلد كمن يرقب جسدا مريضا ينتظر لحظة السقوط، فاتهم أن هذا الجسد يحمل في أعماقه مناعة تاريخية، ووعيا متجذرا في ذاكرة شعب تعلّم، من الانكسارات قبل الانتصارات، أن الوطن لا يُباع في سوق الأوهام، ولا يُقايض بالخراب…
في تطوان، خرج الشارع لا ليحرق، بل ليقول… مشى المواطن إلى جانب رجل الأمن لا لأنه نسي الاحتجاج، بل لأنه تذكّر أن الوطن لا يُصفّى بالغضب الأعمى، بل يُبنى بالنقد الواعي.
لقد بدا الشارع المغربي وكأنه يستعيد فكرة هيغل عن الروح الموضوعية: الوعي الجمعي حين ينهض من سباته، لا ليكسر الجدار، بل ليعيد تشكيله…
ما حدث لم يكن فقط صفعة للمتربصين، بل كان استعادة للشرعية الأخلاقية للاحتجاج، ضد كل محاولات اختزاله في العنف.
الشارع المغربي ليس ملعبا لأطماع الخارج، ولا مرآة لأوهام تنتظر لحظة الانفجار. بل هو ذات تاريخية، تعرف متى تصرخ، ومتى تصمت، ومتى تبتعد عن الهاوية بحكمة غريزية لا تُفسَّر بالخطب، بل تُقرأ في سلوك الجماهير حين ترفض الكسر، رغم أن كل شيء مكسور حولها…
هؤلاء الذين يتابعون من بعيد، وينسجون سيناريوهات النهاية، لن يفهموا يوما أن المغربي لا يُستدرج بسهولة.
لن يفهموا أن ما يربط هذا الشعب بوطنه ليس فقط جغرافيا أو تاريخا، بل ما يسميه بول ريكور بـ”الذاكرة المتصالحة”؛ الذاكرة التي تعترف بالألم دون أن تُصبح أسيرة له…
نعم، نحتج. نعم، نغضب.
لكننا نفعل ذلك ونحن نحمل الوطن في يد، والوعي في اليد الأخرى. لا نفرّط لا في هذه ولا في تلك.
نريد تعليما وصحة وكرامة، لكننا لا نريدها على أنقاض الوطن. لأن الوطن ليس ورقة مساومة، بل شرط كل شيء…
أفيقوا إذن من حلم السقوط.
المغرب ليس كما تتخيلون.
هذا بلد لا يسقط، بل يتعثر ليعيد الوقوف، ويحتج ليُصلح لا ليحطم. وما تطوان إلا النموذج.
النموذج الذي تقول فيه الجماهير: نحن هنا، نعرف ماذا نريد، لكننا نعرف أيضا كيف نريده…
التعليقات مغلقة.