حين يطلب الشعب الصحة والتعليم… فتجيبه السلطة بالهراوة!

الانتفاضة ✍🏼 بقلم: ذ.هشام الدكاني

في يومي 27 و 28 من هذا الشهر، خرجت ربوع المملكة عن صمتها…
خرج الشباب بقمصان رثّة وأحلام مرفوعة كالأعلام، خرجت النساء وهنّ يحملن وجع الأجيال، خرج الشيوخ الذين أنهكهم الإنتظار، وحتى الأطفال الذين لم يتجاوزوا بعد عتبة اللعب بالدمى.
لم يخرجوا ليطالبوا بالقمر ولا بالمريخ، لم يخرجوا ليختطفوا السلطة أو يقتسموا الغنائم، بل خرجوا يرفعون شعارا بسيطا، عظيما في الآن ذاته:
« نريد واجباتكم قبل حقوقنا».

كان المشهد أقرب إلى مهرجان للكرامة، أناشيد وخطب وشعارات راقية، وقفات سلمية بلا زجاج مكسور ولا سيارة محروقة، جمهور متنوّع من كل الأعمار… لكن يا ليت السلطة بادلت هذا الرقيّ برقيٍّ مماثل!
فالجواب كان كما العادة:
« عنفٌ مجاني، وٱعتقالات بالجملة، وتربية على الطريقة المخزنية!! ».

– هل رأيتم في حياتكم رجلا يُعتقل فقط لأنه خرج رفقة ابنته ذات الثلاث سنوات؟!
– أيُعقل أن تُساق البراءة في حفاضتها الصغيرة إلى سيارة الشرطة كأنها زعيمة مافيا؟!
– وهل يُعقل أن يُطرح شيخ طاعن في السن أرضا وكأن عظامه لا تعرف الهشاشة؟!
– أم أن نزع حجاب سيدة صار عملا بطوليا لتجميل تقارير التدخل الأمني؟!

عدسات الصحفيين لم ترحم، فقد ٱلتقطت كل شيء:
« الدمعة قبل العصا، والصرخة قبل الصفعة، والسقوط قبل السحل!!! ». وهكذا صار الحدث مسرحا هزليا، يُضحكك بمرارة ويُبكيك بضحكة عالقة في الحلق.. والمفارقة أن هذا المشهد لم يبقَ حبيس الشوارع المغربية، بل تحوّل إلى مسرحية درامية عالمية، تناقلتها كبريات الصحف الدولية، وبثّتها أهم القنوات الغربية، لتُعرض أمام العالم صورة دولة تُكذّب شعاراتها بدماء مواطنيها، إنها مهزلة بكل المقاييس.

لكن، ما كنّا نخشاه قد وقع، فالضغط يولد الإنفجار، والمظاهرات السلمية تحولت بفعل العنف إلى ساحة قتال… قتال الكل فيه خاسر، وأولهم المواطن البسيط.
لا نضحك على أنفسنا كما يحلو لبعض (المثقفين الجهلاء)، ليست هذه صناعة جهات خارجية معادية للوطن، بل من صنع أيادٍ داخلية فاسدة ٱستنزفت الوطن والمواطنين.

أيها السادة، لقد قلتها مرارا، ثمة فرقٌ كبير بين رجل أمن يحمي المواطن، ورجل أمن يحتمي من المواطن!
بين من يتلقى الأوامر بعقلٍ وحكمة، ومن يُنفذها بغباءٍ وحقد!!
أما ما صدر عن السيد والي أمن مراكش، فكان أقرب إلى ٱستعراض عضلات في حلبة ملاكمة، لا إلى إدارة أمنية يُفترض فيها الإحترافية. لقد أراد أن يُثبت أنّ «القوة فوق القانون»، فإذا به يُثبت فقط أنّ «القوة بلا عقل… تخريب».

اللوم اليوم.. وكل يوم، على الساسة والحكومة، على كل مسؤول فاسد أو متقاعس، على جهازٍ يُطبق الأوامر دون أدنى تفكير في العواقب، على أناسٍ جعلوا من المواطن المغربي سلعة بخسة بين الشعوب!!!

الكلام سهل أيها السادة، أما الواقع فله لسان آخر، ولسانه كان فصيحًدا في هذين اليومين:
✓ شعبٌ يطلب الصحة والتعليم والشغل.
✓ سلطةٌ تجيب بالركل والاعتقال والدماء.

وهكذا، عوض أن تُكتب هذه الوقفات في سجل الديمقراطية الناشئة، كُتبت في سجل السخرية السوداء:
« شعبٌ يطالب بواجبات بلاده، فيُجازى بواجب الضرب والحجز».

رفقًا ببنات وأبناء هذا الشعب… فهم ليسوا أعداء، بل مرآة لوجه الدولة الحقيقي، وإن كسرتَ المرآة.. فلن يزول القبح… بل ستتضاعف شظاياه.

التعليقات مغلقة.