الانتفاضة
غطت الاحتجاجات العفوية التي شهدتها مختلف المدن المغربية على المشهد العام يومي السبت والاحد 27 و 28 شتنبر الحالي، وحولت البلاد والعباد الى ساحة للكر والفر والترقب، لجيل يريد إثبات مكانته ويجد التعليم والصحة والشغل والكرامة، وسلطة لم تتواني في “تفرشيخ” الشباب وهو وقود الامة.
لن تترك الدولة جيل زد يصنع المفاجأة. لقد تفاجأت وتخلخلت من قبل واستعادت توازنها.. السلطوي.
وقطعت مع شيء اسمه “التسامح” مع الاحتجاجات الجماهيرية.
وفي نظر الدولة، لا يوجد شيء اسمه احتجاجات عفوية..
لن تترك الجهات المتغلّبة في جهاز الحكم اليوم الشباب ينظم نفسه ويعبر عن غضبه ويرفع الشعارات المناهضة لسياساتها ويستميل قلوب المغاربة، ثم تجد نفسها في ظرف أسبوع أو اثنين أمام قوة شبابية كبرى تزداد تنظيما وفصاحة وسقف مطالبها يصير منضبطا لوزنها في الشارع..
وتجسيد هذا الموقف هو التدخل الأمني العنيف. لن تتبلور أي “نواة ثورية” في أي مكان من الخريطة!
لكن الدولة لا تدفع بهذه الحجة.
الدولة تدفع بحجة ثانية: هي أننا لا نعرف من يقف وراء هذه الحركة. وأنا أوافقها في هذا القول وأخالفها في ما ترتب عنه من نتائج. كيف؟
هل احتجاجات حركة جيل زد (GENZ212) عفوية وتلقائية كأنما نزلت من السماء؟ لا طبعا.
هذه احتجاجات وراءها قيادة غير معروفة إلى حد الآن، من المحتمل أنها من الشريحة العمرية نفسها للمحتجين. في قلبها، عشرة شباب حسب حوار أجرته صحيفة “ميديا24” مع أحد مديري حساباتها على “التليغرام” قبل إغلاقه.
هذه القيادة التي لا تكشف عن أسمائها لأسباب قد نحملها، منطقيا، على الخوف من المضايقات الأمنية أو الملاحقات القضائية، هي التي تنظم هذا “الحراك” وترسم شعاراته وأماكن وأوقات النزول للشارع وتفتح نقاشات حول استراتيجيات التعامل مع الضغوط الأمنية وأسئلة الصحافة في غرف الدردشة على “ديسكورد”.
ومقابل خفاء الأسماء الأهداف معلنة: تنظيم احتجاجات ضد الفساد في 11 حاضرة مغربية للمطالبة ب”إصلاح منظومة التعليم” و”تحسين خدمات الصحة” في إطار احترام القانون والسلمية والابتعاد عن أي شعارات تقحم المؤسسة الملكية في المطالب.
الشباب المغربي مستاء ويغلي وتلاحقه الخيبات والآلام وهذه المعلومات تكفيه وتعبّر عنه وتقنعه بالنزول للشوارع وها قد نزل.
لقد جاءت في توقيت مثالي: انفجار مفاجئ لقطاع الصحة (وهل يملك الإنسان أغلى من روحه؟)، و ولدت داخل فضاء رقمي يعيد إنتاج “زمن الرفاق”: جو دافئ وأخوي ونضالي يضاهي حلقيات الجامعات.
الأصوات التي يسمعها يتعرّف عليها بسرعة، والسيرفر (غرفة الدردشة) في “ديسكورد” مقسم بشكل ذكي إلى 12 جهة مغربية وإلى مناطق وأحياء، مما يرفع الثقة ويزيد إمكانات التشبيك والتضامن.
كل ذلك يعيد للأذهان – سواء ذهن الصحافي أو ذهن المخبر – خلطة سابقة نجحت في 2011 في الانتفاضات العربية: التشبيك عبر الشبكات الاجتماعية، إهداء الورود لرجال الأمن، التزام بالسلمية، والاستمرارية في الاحتجاج، وعنصر المفاجأة..
وهنا الدولة ترفض أن تقع في الفخ مرتين.
تسامحت الدولة مكرهة مع احتاجات 2011 لتحصد الإسلاميين، ومراقبة حكامة الأمن (الفصل 54 وإن لم ير النور أبدا)، وديوان من الحريات والحقوق نرجع إليه اليوم لنقول للدولة وهي تتدخل بعنف ليس هذا ما تعاقدنا عليه ذات يوليوز من 2011..
في 2017، فشلت كل الأجوبة السياسية في حل حراك الريف لتمر للجواب الأمني.
ولا أعرف هل من حظ أم سوء حظ جيل زد أنها بدأت معه مباشرة من حيث انتهت في تدبير حراكات أخرى! (سيظهر الجواب في الأيام القادمة..)
غير أن الجديد هذه المرة، حسب المعلومات المتاحة، أن الحركة لا تروم أي تغيير سياسي ذي بال، بل هي نوعا ما “حركة تقنية” كل ما تريده، على ما يبدو، هو ترميم أعطاب التعليم والصحة وإن بنفس الأدوات القديمة..
وهذا للحقيقة أحد تناقضات الحركة..
على كل حال، هذا الكلام وتلك المعلومات “لا تنطلي” على السلطة، المعلومات التي تقنع شابا محبطا بالنزول للشارع لا تقنع السلطة في شيء.
وهنا نصل إلى أم المعضلات في هذه البلاد السعيدة..
نصل إلى الحلقة المفرغة: لا توجد مساحة فعلية للتعبير الحر مثل هايد بارك في المغرب، ولا تفتح دور الشباب وقاعات الأحياء الجامعية أبوابها للأصوات التي لا ترضى عنها وزارة الداخلية..
وحتى يخرج الشباب بوجه مكشوف للانتظام في حركة تريد إسقاط الحكومة، سيحتاج مساحة للتعبير الحر وضمانات مشهودة بالتعامل السلمي ورحابة الصدر من السلطة.. على أن يكون الفيصل بين الداخلية والشباب القضاء .. بعد تحقيق استقلال القضاء..
لكن الواقع في المغرب يضج بخلاف ذلك: متابعات واعتقالات في حق الصحفيين والنشطاء ومحاولات معلنة لتكميم الأفواه وتضمينها قوانين النشر!
الحل المتبقي هو إيجاد صيغة للانتظام بأقل الأضرار الممكنة على حياة الفرد، خوفا من الملاحقة! الحل التكنولوجيا التي تتيح تشتيت المسؤولية بل ميلاد حركات بلا قادة..
وحين لا تعرف الدولة القادة، تقول لنا “وراء الأكمة ما وراءها” ،على أساس لو عرفت أن من وراءها هو فلان وعلّان كانت ستتركه وشأنه!
زد على ذلك، أن الأحزاب التي يفترض أن تخرج من شبيباتها مثل هذه الدعوات انقرضت، والشبيبات الحزبية صارت مقتنعة أيضا بحدود الفعل الاحتجاجي والتوقيت ومراعاة الظروف، مناقضة لروحها الشبابية نفسها، وهذا إشكال آخر..
وفي ظل هذا الوضع المأزوم، تبدأ محاولات إلباس الاحتجاج لبوس العمل الخارجي لتصفيته وبحد أدنى غير المرخص، وتبدأ في الجانب الآخر محاولة لاقتطاع مساحة للفعل والتعبير وتأكيد الطابع المغربي الأصيل للحراك..
وفي هذا الصراع، تدخل أطراف متباينة تدافع عن مصالحها في ما يجري..
وبرأيي الحركات التي تجتاح الشارع بلا قيادة قلّما تنجح في تحقيق أي تغيير هام على أرض الواقع. تبقى أقرب لموجات لتنفيس الغضب بعمر قصير.
أقول هذا لأني لا أومن بفكرة إعادة اختراع العجلة.
تحتاج هذه الحركة الجديدة أن تتعلّم من أخطاء الآخرين وتبني عليها وتحتاج أن تخاطب الجميع بوجه مكشوف، أتفهّم صعوبة الأمر لكنّه بالمقابل يسمح بتضامن أوسع وبكسب ثقة ودعم أطراف عديدة..
التنسيقيات مثلا شكلت قيادة جماعية معروفة وتولت النقابات، شكليّا، المفاوضات نيابة عنها مع الدولة، وحققت مطالبها..
يعني حين نقول للشباب إنكم بهذه الصيغة من المطالب (أي الابتعاد عن السياسة، الابتعاد عن الدقة في وصف المشاكل، الضبابية في المطالب، تكرار جملة نريد إسقاط الفساد، التركيز على الأماني) أقرب لتحقيق ما أخفق فيه الآخرون، نحن عمليا نضحك على أنفسنا وعليهم..
الفعل الاحتجاجي هنا فعل سياسي مصغر.
فبما أن الانتخابات لا تفرز أحزاب تمثل الشعب فعليا، فالاحتجاج هنا هو محاولة لتدارك هذه الفجوة في التمثيلية برفع المطالب الغائبة عن الوزراء المظليين..
والاستجابة إليها ممكنة جدا، بدء من إسقاط الحكومة عن بكرة أبيها والدعوة لانتخابات سابقة لأوانها إلى إقالة وزيري التعليم والصحة وتعويضهما باسمين جديدين.
إنها جواب مؤقت لعطب قديم ومديد وبنيوي..
نصيحتي، وهذه يمكن أن لا تأخذوا بها، ألا تبدؤوا من السياسة وإنما من الثقافة والفكر وإحياء أسباب النقاش ونور الشك والسؤال والمناظرات وتدبير الاختلاف بهدوء وقبول للآخر..
أو أقلّها ألا تصابوا بلوثة السلطة وحب اتخاذ القرار.. الضغط من الشارع بوجوه مكشوفة ربما أفضل..
بقي أن نشير إلى أن سلسلة الاحتجاجات ربما ستطول، ولا يعرف مصيرها، في الوقت الذي اكتفت فيه الحكومة بالصمت المطبق، الناتج عن سياساتها العوجاء والبلهاء والعرجاء، والتي انتجت لنا نخبا فاسدة وواقع تعليمي مهترئ ووضع صحي مريض، بطالة متفشية واوضاع اقتصادية مزرية، في بلاد فيها كل الخيرات لكن لا يستفيد منها إلا من ولدوا وفي أفواههم ملاعق من ذهب.
التعليقات مغلقة.