الانتفاضة/ جميلة ناصف
بين الأمس واليوم، لا تكاد ملامح المدرسة المغربية تبقى على حالها. لقد تبدّل المشهد بالكامل حتى صار كثير من الآباء وأولياء التلاميذ يسلمون رقابهم طواعية للوبيات التعليم الخاص، وكأن لا خلاص لمستقبل أبنائهم إلا عبر بوابة هذه المدارس التي تستنزف الجيوب وتحوّل حلم التعلم إلى سلعة باهظة الثمن.
فما الذي تغيّر حتى أصبحت المدرسة الخاصة الوجهة الأولى، والعمومية ملاذًا ثانويًا لا يلجها إلا من لا قدرة له على مجاراة سباق الأداءات والرسوم؟
ينتمي جيل الثمانينيات وما قبله إلى مدرسة عمومية حملت، رغم بساطتها، طابعًا إنسانيًا ومجتمعيًا لا ينسى. لم يكن هناك روض أطفال بكل ما يحمله اليوم من مصاريف باهظة، بل كانت البداية غالبًا عبر «الكتاب القرآني»، حيث «الفقيه» يلقّن الصغار الحروف وحفظ قصار السور، مقابل بعض الدريهمات، فيتخرج الطفل وهو يجيد القراءة والكتابة والإملاء.
بعدها، يدخل التلميذ المدرسة العمومية، حيث مجانية التعليم، ومبدأ التضامن المجتمعي حاضر بقوة: الأخ الأكبر يساعد الأصغر، والجيران يتبادلون الكتب والأدوات، فيما كان النجاح رهينًا بالجد والاجتهاد لا بالقدرة الشرائية.
ورغم قلة الإمكانيات، فقد ساهمت المدرسة العمومية في صناعة جيل قادر على مواجهة التحديات. جيل صعد من رحم الفقر لكنه امتلك الحافز لتحقيق الذات، فكان الطبيب والمهندس والأستاذ والإداري ممن نهلوا من نفس المدرسة العمومية المجانية.
اليوم تغيّر كل شيء. أصبح الدخول المدرسي حدثًا يرهق الأسر ماديًا، مع لائحة لا تنتهي من المصاريف: رسوم التسجيل، التأمين، النقل، الزي الموحد، الكتب والمقررات الأجنبية التي تتبدل كل سنة. كل هذا يجعل الأسر تشعر وكأنها تموّل «مشروعًا تجاريًا» لا «رسالة تعليمية».
الأخطر أن التعليم الخاص لم يعد خيارًا، بل صار يُنظر إليه باعتباره ضرورة اجتماعية، وضمانة للمستقبل، مما خلق سباقًا بين الأسر. بعضهم يفتخر علنًا بمصاريفه: أنا كنقري ولدي فمدرسة خاصة كنخلص فيها القد والقد، بينما آخرون يعانون من الديون والاقتطاعات من أجل تغطية التكلفة، تحت شعار: نسمح فراسي ونقري ولدي.
في المقابل، المدرسة العمومية تعيش تراجعًا ملحوظًا في جودتها وصورتها الاجتماعية، وهو ما دفع العديد من الآباء إلى اعتبارها خيارًا أخيرًا، لا يليق بأبنائهم، رغم أنها كانت بالأمس القريب مصنع النخب المغربية.
التحول من المجانية إلى الاستنزاف لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة:
ـ اختلالات المنظومة العمومية: ضعف البنية التحتية، كثافة الأقسام، تدني جودة التكوين البيداغوجي.
ـ السياسات العمومية: التي فتحت المجال للقطاع الخاص دون ضوابط صارمة، فصار التعليم سلعة لا رسالة.
ـ التحولات الاجتماعية: حيث أصبحت المدرسة الخاصة رمزًا للوجاهة الاجتماعية أكثر من كونها وسيلة للتحصيل العلمي.
ورغم كل ما يُدفع من أموال، فإن النتائج ليست دائمًا في مستوى التوقعات. نسبة مهمة من تلاميذ القطاع الخاص يحتاجون إلى دروس الدعم، أي أنهم يؤدون مرتين: مرة للمؤسسة ومرة للأساتذة. هذا يطرح سؤالًا محرجًا: هل نحن أمام تعليم يعلّم، أم أمام سوق هدفه الربح أولًا وأخيرًا؟
المدرسة، في نهاية المطاف، ليست إلا جزءً من معادلة أكبر. دورها التوجيه والتأطير، لكن الشطر الأهم من العمل يظل في البيت، حيث الآباء مطالبون بزرع القيم والحافز بدل الاكتفاء بدفع المصاريف.
فما بين الأمس واليوم، ضاعت رمزية المدرسة العمومية التي كانت تصنع الأمل، وحلّت محلها مدارس خاصة تُسوّق الوهم وتستنزف الجيوب. ومع ذلك، فالحل لا يكمن في الحنين للماضي، ولا في الانبهار بالحاضر، بل في طرح نقاش وطني صريح حول سؤال محوري:
هل ما نملكه اليوم هو تعليم حقيقي يبني الإنسان، أم سوق مفتوحة باسم التعليم؟.
التعليقات مغلقة.