الانتفاضة // إدريس المغلشي
قَدرُ مستعمرات فرنسا والمهووسون بعشقها والإقتداء بها، أن يبقوا أوفياء لخطها دون رجعة، لكنهم للأسف لا يأخذون منها سوى أسوأ مافيها، فالتابع دائما وحتما فاقد للهوية والكفاءة، حيث لايتمتع بالإستقلالية في القرار، ويرهن مصير بلده بمصالح خارجية، دون أن يفكر يوما في أبناء شعبه ومستقبل وطنه، فالمفتون بفرنسا كل قرارته تخدم الغير وتنطلق من هناك لتعود إليه.
كنا نطمح لنقل تجارب رائدة ونسج علاقة شراكات حقيقية، تصب في تقدم ونمو بلدنا الحبيب، فليس عيبا أن نقتبس بعض التجارب الناجحة من أقطار تفوقنا في العديد من المناحي، مادمنا نستدعي كثيراً من الأوراش بمنهجية إسقاط بليدة و تعسف على الخصوصية، دون أن نمكن للفاعل المغربي إخضعها لبيئة التنزيل حتى منها مقاربة قابلة للتطبيق، من أجل الإستفادة منها وتحقيق غايات كبرى، نتمكن من خلالها من التقدم المنشود.
لكني لا أدري سر تشاؤمي من فرنسا كدولة فقدت الكثير من رصيدها القيمي، وعلى وجه الخصوص الشق الإنساني، فرنسا التي أعطت في الكثير من المرات المثال، و بشكل واضح، على تدني مستواها الأخلاقي، وتخليها عن الشعارات التي تدبج بها عملتها.
لماذا فرنسا وليس دولة أخرى؟
هنا نوضح، ليس لكونها مستعمِرنا الأبدي الذي لاينفك يحشر أنفه في كل كبيرة وصغيرة تهم الشأن المغربي، و يحلو له ممارسة بعض من مظاهر الأستاذية والوصاية التي تفشل، كلما أعلن عنها دون حياء ولا مواربة.
مادمنا في سياق الظاهرة الفرنكفونية المقتبسة من المرجع “ماما فرنسا” على الأقل في أيام الأسبوع الذي نودعه، حيث شهدت الساحة حدثين هامين مع وجود الفارق بينهما، وهنا كما يعلم الجميع أن لا مقارنة مع وجود الفارق، لكننا نتناولها من باب كيف تتعامل كل جهة مع الحدث ؟
ففرنسا على صفيح ساخن وهي تعلن على جملة من الإجراءات، التي قرأتها الأحزاب والهيئات المدنية على أنها تعسفية، تستهدف القدرة الشرائية والإستقرار العائلي، وتمس بأمن الدولة ككل، حيث انتفض الجميع تحت شعار “لنغلق كل شيء، أو لنشل كل شيء “، مطالبة ليس فقط بتنحي رئيس الحكومة لوحده، بل بتنحي (ماكرون) شخصيا، وقد عرفت انتفاضة واعمال تخريبية أدانها الكل.
بينما في المغرب، رتب لقاء تلفزي لرئيس الحكومة على المقاس، لكن يبدو أن المحاولة فشلت في كثير من المناحي، ونحن نعلم مسبقا أن التلفزتين معا لاتستطيعان طرح العديد من الأسئلة والإشكالات التي تعرفها الساحة بالجرأة المطلوبة، حيث أبانت بالملموس عن عدم تمثيلها لنبض الشعب، و قد رايناه كيف يفزع من سؤال قدمه الصحفي مصحوبا بكثير من الإشارات المساعدة، وكأننا أمام طفل كسول من أبناء الأعيان لايفك لغزا ولا كلاما.
كنا ننتظر أن يقدم لنا في البداية تقييما مختصراً عن مرحلة إمتدت لأربع سنوات، و أن يقف عند الصعوبات التي سيجعل منها مخطط برنامج لما تبقى من الولاية، ولينقذ ما يمكن إنقاذه، ويتصرف بذكاء مع متابعيه من المغاربة، والأهم أن يصارحهم ليؤسس لمنهجية مكاشفة، تعبد له الطريق لولاية ثانية، وتسد الطريق أمام معارضة هجينة، تنتظره ليسقط فيقدم لها موضوعا للكلام، وتبني على أقواله مرافعات لاينقصها رفع الصوت أكثر ممّا يخونها الحسّ الإستباقي والقوة الإقتراحية.
معارضة همها سقوط الخصم ليست بمعارضة يعول عليها، لأننا لسنا في حلبة ملاكمة بمفهوم القوة، بل نحن في وطن يحتاج لكل أبنائه الفاعلين، إختار لغة خشبية ممقوتة موغلة بالتعميم، تفتقد للدقة والواقعية، جعلت منه مادة خام للسخرية والتفكه.
لم يكن موفقا، ويبدو أن مستشاريه ومن حوله لاعلاقة لهم بالواقع، فسياسة الهروب إلى الأمام لن تزيد الوضع إلا تأزّما واستفزازاً، حين يصرّح أن ساكنة الحوز كلها فرحانة، وهو مثال واضح يكشف حقيقة رئيس الحكومة الذي لايعرف كيف يقرأ الواقع.
وان لغة السياسة تحتاج إلى كاريزما وفن وإبداع وصدق وتواصل ايضا، فزمن الفهلوة قد ولى ولايصمد أمام درجة الوعي عند أغلب المواطنين، ففي بعض الأحيان الأجوبة البليدة والسخيفة المنسجمة مع محيا قائلها، لاتبشر بخير.
التعليقات مغلقة.