توجه حكومي لإعادة تأهيل الأسواق الأسبوعية بميزانية غير مسبوقة

الانتفاضة // إلهام أوكادير

لم يمن إختيار الأسواق الأسبوعية ليكون في قلب النقاش الوطني صدفة، فهذه الفضاءات التي تحمل رمزية إجتماعية وثقافية راسخة في وجدان القرى المغربية، تعود اليوم إلى الواجهة، من باب مشروع حكومي ضخم يروم إعادة تأهيلها وعصرنتها، بميزانية غير مسبوقة تبلغ مليار درهم، في قرار وُصف بأنه بداية تحول جذري في مسار تدبير هذا المرفق العمومي، الذي ظل لسنوات رهين أنماط تقليدية ووسائل تدبير متقادمة.

وزير الداخلية “عبد الوافي لفتيت” كشف، في جواب على سؤال برلماني للنائب “نبيل الدخش” عن الفريق الحركي، أن هذا البرنامج الوطني سيُموَّل بشكل مشترك بين وزارته عبر المديرية العامة للجماعات الترابية بغلاف مالي قدره (500 مليون درهم)، ووزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات بميزانية قدرها (250 مليون درهم)، ووزارة الصناعة والتجارة بما مقداره(250 مليون درهم)، هذه الإتفاقية التي توجد في طور التوقيع، ستعكس –بحسب المسؤول الحكومي– رؤية تشاركية، تتوخى معالجة إختلالات متجذرة، تقف عائقاً أمام مساهمة هذه الأسواق في التنمية المحلية، و جودة الخدمات المقثدمة للمواطن المغربي.أما الأهمية الإستراتيجية للأسواق الأسبوعية فتكمن وفق “لفتيت”، في كونها رافعة تنموية لاقتصاد القرب، ومصدراً رئيسياً لميزانيات عدد من الجماعات، فضلاً عن دورها الجوهري، في تثبيت ساكنة العالم القروي وتحريك عجلة التجارة والخدمات.

غير أن واقع الحال يكشف عن أعطاب عدة متراكمة، أبرزها هشاشة البنيات التحتية، هيمنة الوسطاء، ضعف التنظيم وغياب رؤية إحترافية تؤطر العرض والطلب، ما يفقد هذه الفضاءات الكثير من قدراتها التنافسية.

فالبرنامج الجديد يطمح إلى إعادة الإعتبار لهذه المرافق، عبر تنظيم فضاءات العرض وتحديث التجهيزات، مع تعزيز مكانة المنتجات المحلية وإنعاش الإقتصاد القروي كهدف عام، كما يستهدف تحسين ظروف عمل التجار والحرفيين، وخلق فرص شغل جديدة، والرفع من جاذبية المجالات الترابية بما ينسجم مع رهانات التنمية الجهوية المستدامة.

ولإنجاح هذا المسعى، تعمل وزارة الداخلية على مواكبة الجماعات عبر توفير الدعم المالي والتقني، مع تشجيعها على تبني أساليب تدبير عصرية، كالتدبير المفوض أو إحداث شركات للتنمية المحلية، إنسجاماً مع القانون التنظيمي 113.14، حيث تم بالفعل إعداد دليل عملي يضع نموذجاً معيارياً لحكامة السوق الأسبوعي، يتضمن دفاتر تحملات وأدوات تنظيمية واضحة، لتفادي ضياع موارد مالية مهمة على الجماعات.

كما أنّ البعد الصحي لم يُغفل بدوره، إذ تخضع المذابح القروية المرتبطة بالأسواق لمراقبة بيطرية دقيقة، كما تنفّذ لجان مختلطة زيارات دورية، لضمان مطابقة المواد المعروضة للمعايير الصحية المحددة، مع اتخاذ إجراءات رادعة في حق المخالفين، تصل أحيانا إلى حدّ إتلاف المنتجات غير الصالحة للإستهلاك.

وبين من يعتبر الأسواق الأسبوعية مجرد فضاءات تقليدية محكومة بالزمن، ومن يراها قاطرة إقتصادية واجتماعية حقيقية في حال تم تحديثها، يبقى البرنامج الوطني الجديد إختباراً عملياً، لقدرة الدولة والجماعات على الإنتقال من منطق التسيير اليومي إلى منطق الإصلاح الهيكلي.

فهل تنجح فعلا هذه المبادرة، في تحويل الأسواق الأسبوعية من عبء على الجماعات إلى رافعة تنموية، تواكب التحولات الإقتصادية والإجتماعية للمغرب المعاصر؟

التعليقات مغلقة.