مسيّرات روسيا تشعل الإنذار في الناتو … و بولاندا تردّ بالهيمارس

الانتفاضة

في فجر العاشر من سبتمبر الجاري، وجدت أوروبا نفسها أمام تطور عسكري خطير، عندما اخترقت 19 طائرة مسيّرة روسية الأجواء البولندية منطلقة من بيلاروسيا، الحليف الوثيق لموسكو، ورغم أن الدفاعات الجوية أسقطت بعضها بينما تحطم البعض الآخر دون خسائر بشرية، هذا الحادث الذي أعتُبر أخطر انتهاك مباشر لأجواء حلف شمال الأطلسي منذ تأسيسه، حيث سارعت موسكو إلى تقديم تفسير بدا لكثيرين غير مقنع، إذ أرجعت الواقعة إلى “تشويش إلكتروني”، في وقت يرى فيه خبراء عسكريون غربيون، أنّ ما حدث ليس سوى اختبار متعمد لقدرة الناتو على الردع.

هذا التطور المفاجئ، أجبر الحلف على تفعيل المادة الرابعة من الميثاق، التي تنص على عقد مشاورات عاجلة بين الدول الأعضاء في حال تعرض أحدها لتهديد، في خطوة تعكس خطورة الحدث.

ووفق ما جاد به خبراء أمنيون، فإن الموقف قد يفتح الباب أمام تغيير قواعد الإشتباك في شرق أوروبا، خاصة مع الأصوات الداعية إلى إعتراض أي مسيّرات أو صواريخ معادية فورًا، وتعزيز الدفاعات الجوية على الحدود الشرقية، وصولًا إلى تبنّي “إستراتيجية دفاع أمامي”، تقوم على إسقاط التهديدات في أجواء أوكرانيا، أو حتى بيلاروسيا قبل وصولها إلى أراضي الناتو.

بالنسبة لبولندا، فإن المفاجأة لم تكن كاملة؛ فهي لم تنتظر وصول التهديد الروسي إلى حدودها كي تبدأ الإستعداد. فمنذ عامين أعلنت “وارسو” عن صفقة ضخمة لاقتناء 486 وحدة من راجمات الصواريخ الأميركية “هيمارس” (HIMARS) من شركة “لوكهيد مارتن”، وبدأت عمليات تسليمها في مايو/أيار الماضي، و هي الصفقة الت تضاف إلى اتفاقية سابقة، حصلت بموجبها بولندا على 18 راجمة أخرى بكلفة قدرها 414 مليون دولار، هذه المنظومة التي تكمن أهميتها في قدرتها على إطلاق صواريخ دقيقة، يصل مداها إلى 300 كيلومتر، مع إمكانية إعادة التذخير خلال دقائق معدودة، ما يجعلها واحدة ضمن أبرز أسلحة الردع المتحركة في العالم.

ولعل التجربة الأوكرانية خير دليل على فعاليتها، إذ ساعدت بضع عشرات من هذه المنظومات في قلب موازين المعارك عام 2022، حين تمكنت من تدمير مراكز روسية إستراتيجية وخطوط إمداد حيوية، بل وأسهمت في انسحاب القوات الروسية من خيرسون.

لذلك، فإن حصول بولندا على هذا الكم الكبير من الوحدات الصاروخية، مرفوقًا بإمكانية نقل التكنولوجيا إليها، يشير إلى نوايا أبعد من مجرد تعزيز الدفاع، بل ربما بناء صناعة عسكرية محلّية متطورة، وهو الطموح الذي يتسق مع رؤية القيادة البولندية، لجعل الجيش “قويًا بما يكفي لردع الخصوم دون الحاجة للقتال”، كما قال رئيس الوزراء “ماتيوش مورافيتسكي” في أكثر من مناسبة، حيث ومن أجل ذلك، رفعت البلاد إنفاقها العسكري إلى ما يقارب %2.4 من الناتج المحلي الإجمالي عام 2022، لتصبح بذلك ثالث أعلى دولة في الناتو بعد اليونان والولايات المتحدة، مع خطط للوصول إلى %4 بل وحتى %5 في العقد المقبل، ما قد يجعلها القوة العسكرية الأولى في أوروبا.

في ظل كل هذه التحولات، يتضح أن بولندا لا تتحرك بدافع الخوف الآني من روسيا وحدها، بل ضمن قراءة أوسع للمشهد الدولي، حيث تزداد الإستقطابات العسكرية مع صعود الصين، وتحوّل دول أوروبية وآسيوية عدة نحو إعادة صياغة عقيدتها الدفاعية.

ومع أن التكلفة الإقتصادية الباهضة لهذه الخطط تثير جدلاً داخليًا، إلا أن “وارسو” تبدو عازمة على المضي قدمًا في ما بدأته، معتبرة أن كلفة الردع أقل بكثير من كلفة الحرب، و هو السلوك الصائب الذي يتّصف بالحكمة العسكرية.

التعليقات مغلقة.