أنا أفكر … إذن أنا موجود

الانتفاضة/البداوي إدريسي  

يقول الفيلسوف ديكارت:” أنا أفكر … إذن أنا موجود”… و إنطلاقا من هذه الحقيقة الوجودية … أمنح لنفسي الحق و أقول: ” أنا أتذكر … إذن أنا موجود”… كم سيكون الإنسان عظيما حين يكون إنسانا” … حلاق بيكاسو .
قال الكاتب المغربي ـ الطاهر بن جلون… حين قال على لسان البطل في رواية ” تلك العتمة الباهرة ” .
أنا لا أتذكر فقط، إنما أتعلم التذكر أيضا كل يوم … إذن، فالتذكر مهم جدا ، و لكن ماذا نتذكر ؟ .
أنا شخصيا أسعى بكل قوتي إلى أن أتذكر أني ” إنسان “، و أن لا أنسى إنسانيتي في كل الظروف ! و حين يمتلك الإنسان إنسانيته و يعي قيمته كإنسان ، لن يكون فاسدا مرتشيا أو سارقا، أو خائنا لوطنه، أو لضميره، فالإنسانية منظومة قوية تمنح الإنسان مناعة و حصانة وطنية و أخلاقية و جمالية، بل وحتى دينية أيضا.
حتى عندما أكتب، فإني أسعى دائما عبر الكتابة إلى أن أذكر نفسي بأني إنسان، أنتمي لهذا الكون البشري الواسع، و أتقاسم معه سلامه و مشاكله و فنه، و جماله، و فيضناته، و زلازله، كما أنعم بنعمة ابتكاراته و اختراعاته العلمية الفذة، فالإنسان حين يتذكر دائما أنه إنسان، و يعي بأنه حائز على شهادة الإنسانية، لن يكون قطعا في الصف المعادي للحياة و الجمال و الحب، و إلا فإن ثمة خللا حدث في قوانين التاريخ .
إن ” الإنساني ” هو الوطني، و هو بالحتمية الأخلاقية سيكون نزيها و صالحا جدا لا مناص…
لقد سقت هذه المقدمة لأحكي قصة أثارت إعجابي جدا، و أردت أن أنقلها هنا لكي نعرف من خلالها كم سيكون الإنسان عظيما حين يكون إنسانا،
و هناك أشياء تشبه سحابة غيث ممطرة، يمكن أن نسميها الفرح كله، يتسرب إلى نفوسنا، و لا نخطئ، يمكن أن نقول عنها إنها خيوط من نور و سعادة تلون حياتنا، و لا نخطئ، يمكن أن تأتي بها ريح باردة أو فكرة سابحة أو ذاك الصدق مع النفس و الٱخرين، مثلها لخصها مرة بحديث بعيد عن التنظير و التأطير المثقف و الفيلسوف الفرنسي” جان بول سارتر” في مجرى حديثه عن المثقف الحقيقي، و ما تصنع الثقافة الواعية في الحياة، يقول :” لو أن كناسا أنهى عمله اليومي، و عاد راجعا إلى بيته، حاملا مشترواته لعائلته، و أثناء مروره بالنهج المؤدي لدرب بيته، وجد على الرصيف كومة زبالة، و مرميات فأنزل مشترواته جانبا، و شمر على ساعديه، و تناول عدة عملة من جديد، و أزال كل ما يعيق المارة، و يجعل الشارع نظيفا، كان بإمكان هذا الكناس أن لا يلتفت لتلك الأوساخ ، و يمشي إلى بيته مباشرة ، و لن يسأله أحد أو يلزمه إنسان،غير أنه تصرف بتلك الروح الساكنة في داخله ، و المعتادة على العطاء و البدل، لحظتها تحول ذلك الكناس إلى مثقف يفيد بعمله المجتمع، و يرتقي بإنسانيته، و قيمها النبيلة، ذاك هو المثقف الحقيقي في رأي فيلسوف الوجودية ” سارتر “، و في الحضارة الإسلامية إماطة الأذى عن الطريق فيها صدقة، و عند الشعوب المتقدمة من يخدمون مجتمعاتهم بالفعل لا بالصوت هم المثقفون، أما غيرهم فهم المثرثرون، و كثير من مدن العالم المتحضرة تجد في ساحتها العامة أو حدائقها تمثالا لعامل النظافة أو رجل الإطفاء أو غيرهم من الأيدي العاملة و المكافحة، و لعل قصة حلاق الرسام العالمي ” بيكاسو ” فيها معنى ٱخر لفعل الثقافة، و ما يصنع المثقف عام 1944 في باريس حيث استقر الرسام الإسباني ” بيكاسو ” إلتقى في الحي :” أوجينيو ٱرياس ” ، و كان لديه محل للحلاقة، أعجب ” بيكاسو ” بحركة يد ذلك الحلاق، و رقصة المقص، و كأنه فنان مثله يداعب اللون و الريشة، فاستسلم له، و ترك له رأسه بحرية، مستمتعا بثرثرته المتسارعة بالإسبانية، و حين انتهى من قص شعره، رفض أن يأخذ منه ” فرنك “، فخجل ” بيكاسو ” فأخرج من مزودة الرسم لوحة و أعطاها إياه، أخذها الحلاق، و يومها لم يكن ” بيكاسو ” مشهورا، ظلت تلك الصداقة تكبر بينهما، و كما إنتهى الحلاق من قص شعر ” بيكاسو ” و حاول أن يدخل يده في جيبه، يمنعه الحلاق بتعفف، و يقول له : أنت الٱن صديقي، فيقوم ” بيكاسو” بإهدائه لوحة جديدة حتى كون ثروة حقيقية من أعمال ذلك الرسام الذي لن يتكرر، بلغت 60 لوحة .
و حين توفي ” بيكاسو ” تسارع إلى صديقه المقتنون، و إدارات المتاحف، عارضين عليه مئات الملايين لشراء تلك الثروة الغنية التي لم يدفع ثمنها غير ضربات مقص، و ثرثرات، و كثير من الحب و الود، غير أن الحلاق رفض كل تلك الإغراءات و الأموال، و في ليلة قمرها مشع، حزم حقائبه و تلك اللوحات الفنية متوجها إلى قريته الواعدة شمال مدريد” بويتراكوديل لوزيما ” في صمت و بفخر .
اليوم… هذه القرية يزورها مئات الٱلاف من السياح سنويا، و صمم لها متحفا أسماه متحف” حلاق بيكاسو عام 1985 ” ، اليوم يعد قبلة للزوار و عشاق الفن، و البحث عن المدهش، و حين توفي ذلك الحلاق عام 2008 و دعته قريته و إسبانيا كلها وداع المواطنين المخلصين، و الأبطال الوطنيين، ذلك لأنه في لحظة تخلي الشيء الذي يشبه سحابة ممطرة يمكن أن ننعتها بالخير و الفرح و السعادة .
المدير المسؤول عن جريدة الأحداث الأسبوعية ” م – ن ” و الكاتب العام للإتحاد الوطني المستقل لقطاع الصحافة و الإعلاميين و معتمد لدى جريدة الانتفاضة من أجل الحداثة .

التعليقات مغلقة.