لا يكتب “المريد” وحده و إن تشبث بذلك بل يكتب معه “الوزير” أيضا

الانتفاضة // عصام واعيس

لم يزل السيد أحمد التوفيق يقدم عرضا سياسيا ثريا من داخل دار المخزن التي تخرج منها، في بعض المرّات، أو كثير من المرّات، عروض سياسية زهيدة أو عروض من خارج فكرة السياسة..

رسالة التوفيق إلى “سيدي منير” ابن شيخ الطريقة البودشيشية الراحل جمال الدين، تفتح نافذة غير مسبوقة على ما يعتمل داخل أقوى زاوية في المغرب، لكن ليس فقط على الزاوية: على شخصية التوفيق نفسه وثمار تعدّد صفاته ومراتبه في ما يسوس ويرى.

إلى حد ما، نحن محظوظون بالتوفيق الوزير، والتوفيق المريد، والتوفيق الأديب، (دون أن يكون هذا “الحظ” تعلّة لنسيان ما تعرض له علماء وأئمة من عسف دون وجه حق ولا أن يفهم أنه حظ مطلق..)

لم ينكر الرجل الرسالة التي نشرتها صحيفة “اليوم24” وهذه وحدها نعمة كبيرة! ذلك أن الرسالة التي كتبها بصفته مريدا للزاوية تنقل المضمر في محيط من الظلمات إلى الشمس بكياسة عالية.

لا يكتب “المريد” وحده وإن تشبث بذلك، بل يكتب معه “الوزير” أيضا.

المريد ينصح ابن الشيخ بالتواري والتواضع، والوزير يذكره بأن أمير المؤمنين لن يقبل أن تندثر الطريق!

تحاجج الرسالة بالتقارير التي من المرجح أنها تصل إلى علم “المريد” (أم نقول الوزير) عن سلوك “سيدي منير”، والمريد (أم نقول الوزير) يحلّل آثار تلك التصرفات على الطريق وما تعنيه للفقراء وربما السلطة أيضا.. ويرتب الخلاصات في رسالة كافية شافية..

نحتاج أن نشكر التوفيق على عدم نفي الرسالة، لأن الحديث فيها يصل إلى مستوى حساس من كشف ما يجري في الأعماق: حين يتحدث عن خدمة قدمها رجلان “صادقان” لهما اتصال مع الجن العلوي للمغرب. أحدهما في مراكش والثاني في تارودانت.

بالنسبة لي هذه نافذة تكشف امتداد خيارات “البلد” في تدبير الأزمات إلى مستويات عميقة جدا ومتشعبة.

كما أن ذكر أحمد التوفيق لهذه الخدمة التي تتطلب معركة يحارب فيها الأخيار من الجن الأشرار منهم لا يأتي في سياق الترويج للدجل بل في سياق ذمه!

أي خدمة؟ وما نوعها؟ ومن يكون أصحابها؟ وأنا أقرأ هذه الفكرة تذكرت فكرة استخدام الخيال في السياسة التي يتحدث عنها المفكر المغربي عبد الحي المودن.. الخيال هو الذي يفتح الباب للفهم فيما التحليل المعياري يغلقه أحيانا..

أحمد التوفيق شخصية فذة واستمرارية لشخصيات عرفتها دواوين الأمراء والملوك على طول التاريخ الإسلامي.

شخصية مثقفة وأديبة تنحاز للسلطة وتدافع عن خياراتها وتطارح خصومها وتخلّف منهجا وإرثا و”تاريخا”..

يذكر التوفيق في رسالته التهديد المحتمل بنشر غسيل الزاوية من طرف مسؤولة سياسية فرنسية وإعلاميين من البلد نفسه زاروا الزاوية معها قبل إحباط المؤامرة الصغيرة.

يمكن أن نفهم أن المسألة كانت في أفضل الأحوال نزوة إعلامية عابرة وفي أسوئها ابتزازا تصدّى له “الغيورون” على الزاوية..

بهذه الرسالة وكتابات ومواقف أخرى يولّد التوفيق أطروحات وأفكار وشعارات للترويج للإسلام الرسمي، مثل “خطة تسديد التبليغ” مثلا، وبها يستمد مكانته الخاصة في دائرة الحكم..

لنبقى في هذه الخطة، فقد تصوّر التوفيق وهو يقدّمها دور الإمام قريبا من دور “المثقف العضوي” الذي تحدث عنه أنطونيو غرامشي..

بل اعتبر أن صفة “العضوية” أي المسلم بوصفه فاعلا عضويا في مجتمعه فكرة سابقة في الإسلام لم تصل إليها الحضارة الغربية إلا مؤخرا (ربما يقصد مع غرامشي..)

خطة تسديد التبليغ جفّفت ينابيع الحياة من خطب الجمعة وحاربت الأئمة “العضويين” فعليا.

لكن للتوفيق أطروحة ورأي: يبرر تقييده الأئمة بالخطب المكتوبة مسبقا مثلا ب”محاربة الإغراء الشعبوي” و”إسماع الناس ما تهواه أنفسهم”.

بالنسبة له حين تذهب للجمعة يجب أن تفكر في سلوكك وفي الإحسان لجارك وإماطة الأذى والتحلي بالخصال الحميدة والتخلي عن السوء والآثام..

وبذلك الخطبة يجب أن تبتعد عن السياسة وتبقى في إصلاح السلوك الفردي – الجماعي، ويحيل التوفيق في خطته على “شيوخ السلوك” مقابل التصدي “للمبطلين والجاهلين”.

عمليا، نجحت الخطة في تغيير سقف المتوقع من خطة الجمعة، قد نعتبر أنها أفضت إلى “خيبة أمل” ترافق المصلّين أو “نكسة” أسبوعية، وقد نكون أمام تأسيس لسقف آخر لدور المنابر، أقل حدّة وأكثر التصاقا بالسلوك..

يمكن أن ننتقد هذه الخطة: ما صحة المسلّمة القائلة بانفصال المنبر عن السياسة؟ ومتى حصل ذلك أصلا؟

أليس كل ما تحقق هو هجرة الناس من منابر الجمعة إلى منابر أخرى؟

ماذا لو أفقدَ التوفيق الدولة قدرتها على الحشد الديني وتوحيد الصف مع تبدّد الناس عن خطابها بحثا عن خطب حيّة في مضان أخرى؟؟

ألا يتعسف الوزير في توظيف التصوف والسلوك لقتل الروح الدينية؟

قد يحاجج التوفيق بأن العالم معقد والخطيب بترديده ما تهواه الأنفس لا يساهم في حل مغاليق العالم أو كما قال بعبارة أنيقة في رسالة كان وجهها لعبد الإله بنكيران: “نظل مستحضرين أن تاريخ الناس، كل الناس، جارٍ في كل الأحوال بقضاء الله وقدره، وسننه، سبحانه، فضاء مفتوح بين سائر في الأرض ونظر.”

قد نختلف مع التوفيق ومع القيود التي يكبل بها “تاريخ الناس” ومع تأويلاته وتجني وزارته أحيانا على أرزاق أئمة أو علماء لأسباب واهية في خلفيتها فلسفة التوفيق في “التسديد”.

مع ذلك يبقى التوفيق وزيرا منتجا للمعنى وله قدرة على تبرير اختياراته ولا يخبئ قناعاته بل ينفذها فعليا بما في ذلك من مخاطر سوء التقدير وانقلاب القيم إلى أضدادها..

التعليقات مغلقة.