الإنتفاضة // بقلم: محمد أمين وشن
“الهدف الذي يجب أن تسعى إليه كل المؤسسات ، هو خدمة المواطن ، وبدون قيامها بهذه المهمة فإنها تبقى عديمة الجدوى ، بل لا مبرر لوجودها أصلا”. من خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس في افتتاح الدورة البرلمانية بتاريخ 14 أكتوبر 2016.
التدبير المفوض في أصله صيغة قانونية تعني أن الجماعة الترابية، لعجزها أو ضعف إمكانياتها تُفوّض مهمة من مهامها الأساس لشركة خاصة على أن تلتزم هذه الأخيرة بجودة الخدمة مقابل مبلغ مالي محدد ، فهي نظريا آلية لتجويد المرفق العمومي وتحقيق النجاعة لكن في التجربة المغربية غالبا ما يتحول التدبير المفوض إلى تفويض للإهمال وتبديد للثقة بين المواطن ومؤسساته والصويرة اليوم نموذج صارخ لهذا الانحراف.
فالعقد الموقع مع شركة فوض اليها تدبير قطاع النظافة يعتبر وثيقة رسمية وُضعت فيها التزامات دقيقة من بينها توظيف 179 عاملا، بينهم أطر وعمال تنفيذ مع الاهتمام بجانبهم الاجتماعي كمنح الأعياد( 1000 درهم ) وزيادات سنوية ( 100 درهم ) ، بالإضافة لأساطيل من الشاحنات الضاغطة والمكانس الميكانيكية وحاويات عصرية، بل حتى تجهيزات ذكية بنظام تتبع بالأقمار الاصطناعية وكاميرات مراقبة.
على الورق بدت الصويرة وكأنها مقبلة على ثورة في النظافة ثورة تليق بمدينة سياحية ذات إشعاع عالمي لكن الواقع المرئي يوميا في الشوارع يكشف عن شيء آخر تماما فالأحياء الشعبية غارقة في النفايات حيث الحاويات فاضت بما تحمل من مخلفات والآليات الموعودة لا تظهر إلا لماما ، وغالبا إن ظهرت ففي محيط المدينة العتيقة حيث تمر أعين السياح.
إن المواطن الذي يعيش تفاصيل الحياة اليومية لا يقرأ كنانيش التحملات بل يشم الروائح الكريهة ويرى الأزبال متراكمة فقط وهنا يكمن حجم الهوة بين الالتزام والتنفيذ.
أما العمال فهم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة وعود تحسين أوضاعهم الاجتماعية لم تتجاوز حدود الخطاب حيث أجور بالكاد تبلغ الحد الأدنى مقابل ساعات عمل طويلة وسط مخاطر النفايات الطبية والمواد الحادة دون أية حماية و في غياب شبه تام للتجهيزات الوقائية ، إنهم من يدفع ثمن التسيير الرديء من صحتهم وكرامتهم ، في حين يتعامل الجميع مع احتجاجاتهم كأمر ثانوي.
إن الأمر لا يتعلق فقط بخدمة نظافة متعثرة، بل بخلل سياسي في جوهره فحين تتحول العقود إلى مجرد كتابة على الورق بلا تنفيذ ولا محاسبة حقيقية فإن الثمن يُدفع على حساب المدينة وساكنتها فالتدبير المفوض من المفترض أن يكون وسيلة لتجويد المرفق العمومي لا العكس. الصويرة اليوم لا تطالب بما فوق طاقتها بل فقط باحترام ما كُتب بالحبر في الكناش أعلى التوقيعات أي ايجاد حاويات ينتظم في إفراغها ، عمال محميون ، ومراقبة صارمة بكل بساطة.
المدينة لا تحتاج إلى خطابات عن التنمية المستدامة بقدر ما تحتاج إلى شوارع نظيفة وكرامة مصانة وإن كان العقد شريعة المتعاقدين فعلى الاطراف الالتزام به إلا اذا كانت السياسة في مدينة الصويرة أضحت فن تحويل الأجمل على الورق إلى الأقبح على الأرض
لتبقى المساءلة السبيل الوحيد لانتشال المدينة من كل هذا العبث.
التعليقات مغلقة.