الانتفاضة // عبد الله الترابي
عدتُ مؤخرًا إلى قراءة كتب المرحوم فريد الأنصاري، وكلما قرأت له، ازددت تقديرًا لأسلوبه البليغ ومنطقه الداخلي المتماسك، ومنهجيته في الرد على الأفكار التي يختلف معها، ومحاولته طرح بديل فكري ودعوي مختلف.
بطبيعة الحال، أجد نفسي في الضفة الأخرى المقابلة، لكن هذا لا يعني بخس النابغين والمتميزين حقهم، بسبب انتمائهم لتيار مختلف، و الأستاذ فريد الأنصاري من أكبر المثقفين المغاربة، و رحيله الباكر كان خسارة فكرية للبلاد.
غير أنني تساءلت: هل ما زال هناك داخل الحركة الإسلامية في المغرب، سواء الدعوية أم السياسية، مثقفون ومفكرون من طينة فريد الأنصاري؟
ربما أكون مخطئًا، لكن ما تبقى من هذه الطينة ينتمي إلى جيل الرواد (مثل الريسوني وبعض من جيله)، بينما تفتقر الأجيال اللاحقة إلى نفس الدرجة العليا من القدرة على التأصيل الفكري والفقهي، ومحاولة إيجاد مصطلحات ومفاهيم يمكن البناء والاتكال عليها في عمل سياسي أو دعوي جديد.
نفس الشيء ينطبق على التيارات الفكرية المقابلة، سواء سميناها حداثية، علمانية، تقدمية، أو ليبرالية؛ فقد شاخت مقولاتها وأفكارها، ولم يعد هناك داخلها مفكرون ومثقفون بنفس جودة وثقل الرعيل السابق الذي أغنى النقاش والتصورات العامة بأفكاره ومصطلحاته (مثل العروي، الجابري، بلقزيز وغيرهم…).
ما حدث في نظري هو جدلي ويشبه المنافسة الرياضية: عندما يكون الخصم الرئيسي جيدًا وعلى مستوى عالٍ من القوة والتنظيم، يحاول الخصم الآخر قدر جهده الرفع من مستواه ومجاراة غريمه، ودراسة نقاط القوة والضعف لديه للتغلب عليه، فيكون مستوى ” البطولة” جيدا.
وهذا ما حدث لعقود بين الإسلاميين وخصومهم، على اختلاف تسمياتهم، مما أنتج لنا مثقفين كبارًا وتنظيمات قوية ونقاشا عموميا قويا ومتميزا.
الآن، الانهيار المتواصل للخصمين جاء متزامنًا وسيكون مستمرًا، نتيجة لتهالك الأفكار وتجاوزها من قبل الزمن والواقع، وتطور المجتمع المغربي، وإعادة تشكيل أفكار جديدة تجد تعبيراتها حاليا في وسائل التواصل الاجتماعي، لكن بدون مثقفين ومنظرين من عيار الذين تحدثنا عنهم، فينتج لنا ذلك مانراه الآن من بهلوانيات فكرية و أفاقين ودجالين من جميع الأطياف، ولا أستثني نفسي من هذا الوصف الأخير.
التعليقات مغلقة.