هل يسعنا تثمين الإنجازات الإقتصادية في ظلّ الهشاشة البشرية ؟

الإنتفاضة // إلهام أوكادير

في كل مرة يتم فيها الإعلان الرسمي عن تولّي المغرب لتنظيم تظاهرة أو فعاليات ذات صدى قارّي أو دولي، و هو الأمر الذي يستدعي بالفطرة حضور مشاعر الفخر و الفرح، تتأبّطُنا مشاعر معاكسة، ليس لكوننا متشائمين أو غير طموحين، بل لأننا نعِي جيدا أوضاعنا الحقيقية و بشكل أعمق.

لأننا قريبون بما يكفي من واقع المواطن البسيط، نعلم حيثيات يومه، مُجريات حياته و ما يزال يتخبّط به من متاعب، نعلم جيدا مدى اختلاف واقعه عن ما تزعمه الأرقام و التصاريح و التقارير من رفاهية محققة له.

كما نعلم مدى  جهوزية هذا العنصر البشري بما يحمله من خلفيات أخلاقية و سلوكية غير مطمئنة في الكثير من الأحيان، و التي ربما تستدعي اليوم إيجاد و نهج خطط تأهيلية إستعجالية أكثر من تلك التي تخصّ البنيات التحتية و غيرها، و هذا ما يثير قلقنا بالدرجة الأولى بالنظر لأهميته القصوى، و هو موضوعنا لليوم.

إنّ نجاح أي بلد كيفما كان، يبقى رهين بالدرجة الأولى بعنصره البشري، بمدى التربية و التخلّق و ضبط السلوك، بمدى حبه و احترامه لهذا الوطن، و لأفراد المجتمع كافة، بدءاً بالأسرة و انتهاءاً بمؤسسات الدولة، فالمواطن، سواء كان موظفًا أو متطوعًا أو حتى متفرجًا، يمثل واجهة البلد وسفيرًا لثقافته أمام ملايين الزوار والإعلاميين.

إن ما يدفعنا اليوم لوضع هذا الأمر تحت المجهر، هو الضرورة القصوى، إذ لا يُتصوّر نجاح بلد ما في تحقيق الرقي و الإزدهار، ما لم يتمّ ذلك على مستوى عنصره البشري، ليكون بدايةً و قبل كلّ شيء، شعباً خلوقا، آمنا في بيئته، يحترم خصوصية الآخرين، و يحترم غيره، متوازن السلوك و منفتح الفكر، مميزاً بثقافته و مبادئه السليمة، راعياً و محافظاً لكل ما توفّره بلدنا من مرافق و تجهيزات و بنيات تحتية، يعمل بصدق و تفانٍ، نظيف الفكر و السلوك و البيئة، جميل التربية، يبعث على الأمان و الطمأنينة لكلّ من يقبل عليه، مُحباً لوطنه و لنفسه، بحيث لا يقبل بما يضرها أو يضر غيره.

فبعيدا عن كلّ ما سبق، أجد صعوبة كبيرة، في لمس و تثمين أي تطوّر كيفما كان، لأن وجود مثل كذا خلل في أساس المجتمع، يُشكّل مصدر متاعب و قلق مستمّر، يهدّد لا محالة بضياع و اندثار أي نجاح، و إن تحقّق في زاوايا أخرى، إذ أنّ تأهيل العنصر البشري، يبقى الرأسمال الأول الحقيقي، لبداية أي قصة رقيّ ناجحة.

غير أنه لن يفوتنا التسطير على دور الدولة في هذه المعادلة الحاسمة، إذ يُنتظر منها بالإظافة لما ذُكر سابقاً، أن تعمل و بفاعلية و بتركيز أكبر، على تثمين العنصر البشري، و هنا أقصد أن يبلغ بنا الوضع إلى أن يكون المواطن في قلب إهتمامها، بتوفير مستوى تعليم قيّم و بجودة عالية، بأن يتمتع هذا الفرد بالإستشفاء و الرعاية اللازمة و المعاملة الإنسانية الحقة، التي تجعله يشعر بالفخر لانتمائه لهذا الوطن، أن تتماشى أفق دراسته و تكوينه مع متطلبات سوق الشغل المحلي و الدولي، بأن تتوفر فرص عمله و اندماجه، وأن تتوفر سبل التنقل و العيش الكريم و السكن الذي يحرم إنسانيته بطرقٍ يسيرة لا تُتعب كاهله قصد الحصول عليها، أن يتمكّن من الإستمتاع بما تزخر به البلاد من ثروات زراعية و بحريّة بأثمان رمزية، تجعله يشعر بتميُّزه وسط بلاده، و تجعل آخرين يثمّنون العيش و الولوج لمثل كذا بلد عربيّ.

فبتحق ذلك فقط، يمكننا الإطمئنان لبنائنا أساساً مثيناً، يجعلنا آمنين و مطمئنين في بيئتنا، لنستعدّ بعد ذلك للإنفتاح على تظاهرات كبرى، تثق في قدراتنا، ما دمنا واثقين بداية في ما حققناه مع أنفسنا.

التعليقات مغلقة.