الانتفاضة // شاكر ولد الحومة
تعيش مراكش التي تسوق عالميا كعاصمة للسياحة المغربية ووجهة فاخرة للاستثمار، تحولا مقلقا في هويتها الحضرية، فمنذ نحو عقد من الزمن بدأت ملامح المدينة الحمراء تنزلق شيئا فشيئا نحو ما يشبه قرية كبرى مغطاة بقشرة لامعة تخفي تحتها هشاشة عمرانية واجتماعية متزايدة.
فرغم البريق الخارجي للفنادق المصنفة والمنتجعات الفاخرة، تصطدم عين الزائر والمقيم معا بواقع مترد وطرق متهالكة وحدائق مهملة وفضاءات عامة شبه منعدمة ونقل حضري مترهل وغياب واضح للبنيات الترفيهية والثقافية الأساسية مثل المسابح والمكتبات والمراكز الاجتماعية.
وفي المقابل، تنمو على هامش المدينة مظاهر لا تنسجم مع صورتها الترويجية كالمقاهي ومحلات التدليك بشكل مفرط، إلى جانب تزايد أعداد المتسولين والمشردين، وتهميش النسيج السكني الداخلي، حيث تبحث الأسر عن متنفس لأطفالها وسط مساحات إسمنتية أو رقع عشبية عشوائية لا ترقى إلى مفهوم الحديقة. أما عند أول تساقط للأمطار ولو لدقائق فسرعان ما تغرق الأحياء كاشفة عن هشاشة البنية التحتية وغياب حلول تصريف فعالة، ما يكشف عمق التفاوتات الاجتماعية وانعدام التوازن في توزيع الثروة والفضاء.
وبينما تشهد مدن كطنجة والرباط تحولات عمرانية متقدمة، لا تزال مراكش تسبح خارج منطق التخطيط الحضري المتكامل وكأنها حبيسة تصور قديم يربط بين المدينة والسياحة لا بين المدينة وساكنيها. وأكثر ما يثير القلق هو التوسع السكني العشوائي، حيث تنمو الأحياء بسرعة تفوق قدرة المدينة على توفير التجهيزات الأساسية ويتم توجيه الأراضي المتاحة إلى مشاريع مغلقة تفتقر إلى المرافق العمومية في تجاهل واضح لأولويات السكان.
وما يقدم كإصلاح غالبا لا يتجاوز مساحيق تجميلية من ترقيع الطرق وصباغة الأرصفة أو تزيين الواجهات مؤقتا استعدادا لزيارة رسمية دون معالجة جذرية للمشاكل المتراكمة، وهو ما يعبر عنه المغاربة بقولهم “العكر فوق الخنونة”.
مراكش التي اكتست حلة خضراء خلال احتضانها لمؤتمر المناخ “كوب 22″، عادت سريعا إلى واقع بيئي متدهور تغيب فيه النجاعة التدبيرية وتنتشر النفايات في كل زاوية. كما أن التحكم في توسع المدينة أصبح رهينا للمضاربات العقارية، حيث تبنى المشاريع من أجل البيع لا من أجل جودة الحياة ويستنزف المجال دون مراعاة للبعد الاجتماعي أو البيئي في ظل غياب واضح لرقابة فاعلة ورؤية حضرية شاملة.
واليوم، ومع اقتراب مواعيد كروية عالمية مثل كأس إفريقيا 2025 وكأس العالم 2030، يطفو على السطح سؤال حتمي: هل وضع مراكش الحالي يسمح لها بأن تكون واجهة حضارية للمغرب؟ فمعايير العصر لم تعد تقاس بالفنادق المصنفة، بل بعدالة توزيع الفضاء العام وتوفر المرافق ونوعية الحياة لكل مواطن.
لقد آن الأوان لإحداث زلزال إيجابي في تصور تدبير المدينة يضع الساكنة في قلب كل مشروع ويعيد توجيه بوصلتها من منطق التزيين والترويج إلى منطق التنمية الشاملة والعدالة المجالية، فهي لا تحتاج إلى المزيد من الواجهات اللامعة بقدر ما تحتاج إلى إنصاف العمق ومشروع حضري يعكس حقها كمركز تاريخي وثقافي، في أن تكون مدينة حية وعادلة لكل من يعيش فيها.
بينما بنت الصالحين (عايشة الرفاهية) في الرباط و (كاع ما مسوقة) لمراكش أصلا، فهي مشغولة بأمور أخرى تهم المصالح الخاصة والمنافع الذاتية، و أما مصالح الواطنين فان للبيت ربا يحميه.
التعليقات مغلقة.