الانتفاضة//الحجوي محمد
في تحول اجتماعي لافت، لم يعد النقاب حكراً على النساء. ففي زمن المنصات الرقمية، تتصاعد ظاهرة غريبة من نوعها: مؤثرات ومغنيات يخفين وجوه أزواجهن خلف رموز تعبيرية وملصقات ملونة، بينما يظهرن هنّ بكل وضوح، وكأن الأدوار الاجتماعية انقلبت رأساً على عقب داخل فضاء لا يخلو من المفارقات.
ففي الماضي، كان النقاب أو الحجاب وسيلة لحجب المرأة عن أعين الرجال الأجانب، بينما كان الرجل يتحرك في الفضاء العام دون قيود بصرية. أما اليوم، فالمشهد مختلف تماماً: زوجات ينشرن لحظات عائلية حميمية، لكن ملامح أزواجهن تختفي خلف قلوب حمراء أو زهور أو رسوم قطط، بينما تبقى ملامحهن هي محور الصورة.
يُرجع مختصون في علم الاجتماع هذه الظاهرة إلى تحول مفهوم الغيرة في العصر الرقمي. لم تعد المخاوف مرتبطة بحماية المرأة من النظرات، بل أصبحت مرتبطة بفكرة “التملك البصري” للرجل. إذ تسعى بعض النساء، عبر إخفاء وجوه أزواجهن، إلى منع متابعات أخريات من رؤيته، وكأن العلاقة الزوجية تحولت إلى سلعة تحتاج إلى حماية من المنافسة الافتراضية.
ما يثير الدهشة هو التناقض الواضح في هذه السلوكيات: فالنساء المعنيات لا يخفين أنفسهن، بل ينشرن صورهن بثقة، وأحياناً بملابس تثير الجدل، بينما يُجبَر الرجال على التلاشي خلف رموز رقمية هزلية. هذا الازدواج يطرح أسئلة جوهرية: هل نحن أمام تحرر حقيقي للمرأة، أم مجرد إعادة إنتاج لثقافة الحجب والستر، لكن مع تبدّل الأدوار؟
من جهة أخرى، تعكس هذه الممارسة أزمة ثقة كامنة بين الزوجين. فإخفاء الوجه لم يعد أداة حماية، بل أصبح اختباراً للغيرة، أو دليلاً على “الولاء الحصري”. في حين يتعامل بعض الأزواج مع الأمر بسخرية، يعتبره آخرون انتهاكاً لحقهم الأساسي في الظهور بكرامة على منصات قد تكون جزءاً من حياتهم الاجتماعية والعملية.
ما تقوم به هؤلاء النساء ليس بالضرورة خطأ أو صواباً، لكنه بكل تأكيد سلوك جديد يستحق التأمل. فهو يعبّر عن رغبة في حماية الخصوصية الزوجية بطريقة غير مألوفة، كما يكشف عن تحول في طريقة تعبير البعض عن الغيرة والانتماء داخل العلاقة. الأهم أنه يطرح سؤالاً مشروعاً: هل أصبحت وسائل التواصل جزءاً من اختبارات الحب والثقة بين الزوجين؟
في النهاية، تبقى هذه الظاهرة مؤشراً حقيقياً على تحولات الخصوصية والغيرة والعلاقات الزوجية في عصر المنصات. وربما هي دعوة غير مباشرة للتوقف قليلاً والتساؤل: كيف تعيد وسائل التواصل تعريف علاقاتنا، ولماذا أصبح إخفاء الوجه مقياساً للحب والانتماء؟
التعليقات مغلقة.