توتر متصاعد في سوريا.. الرقة والسويداء على صفيح ساخن

النتفاضة // ابتسام بلكتبي // صحفية متدربة

تشهد سوريا في الآونة الأخيرة تصاعدا ملحوظا في حدة التوترات الداخلية تزامنا مع احتجاجات شعبية في محافظة السويداء ذات الأغلبية الدرزية وتحركات مسلحة في الرقة الواقعة تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وهذا يطرح تساؤلات استراتيجية عميقة حول مآلات المشهد السوري وإمكانية انبثاق نماذج حكم ذاتي جديدة على غرار تجربة “قسد” في شمال شرق البلاد.

ومنذ أكثر من عام، تشهد السويداء موجات متكررة من الاحتجاجات الشعبية على تدهور الوضع المعيشي وانهيار الليرة السورية وتفشي الفساد. إلا أن الاحتجاجات الأخيرة اكتسبت طابعا أكثر تنظيما مع تصعيد مطالبها نحو تغيير النظام وإسقاط السلطة المركزية، فضلا عن دعوات صريحة لإقامة نوع من الحكم المحلي المستقل. واللافت في الأمر هو بروز مجموعات محلية مسلحة مثل رجال الكرامة كرمز فاعل في المعادلة، وهو ما يعكس رغبة قطاعات من سكان المحافظة في بلورة صيغة تمثيلية جديدة خارج إطار الدولة المركزية.

أما الرقة فتعود إلى التوتر في قلب قسد في الرقة التي كانت مركزا لخلافة تنظيم “داعش” قبل أن تستعيدها “قسد” بدعم من التحالف الدولي، حيث اندلعت خلال الأيام الماضية اشتباكات مسلحة بين مجموعات عشائرية محلية وعناصر من قوات “قسد” التي تمكنت من السيطرة مؤقتا على الوضع، وانتقلت طبيعة النزاع إلى تصدعات بنيوية داخل هذا الكيان وتنامي الرفض الشعبي للهيمنة الكردية على المدن ذات الغالبية العربية. وتحمل هذه التحركات في طياتها دلالات خطيرة، لا سيما مع تصاعد الحديث عن رغبة بعض القوى العشائرية في الانفصال عن مشروع “الإدارة الذاتية” والسعي إلى تشكيل كيان خاص بها، مما ينذر بإعادة تدوير تجربة “قسد” ضمن كيانات متنافسة محليا.

هل هناك محاولات لإعادة إنتاج نموذج “قسد”؟

من الناحية السياسية لا يبدو أن ما يجري في السويداء أو الرقة نابع فقط من غضب شعبي عفوي، بل هناك إشارات متزايدة على وجود أطراف محلية وربما إقليمية تدفع باتجاه إحياء مشروع “الكانتونات” أو الكيانات شبه المستقلة في ظل الانسداد السياسي الشامل وتراجع فاعلية الدولة المركزية.

ففي السويداء تتهم بعض الأطراف القريبة من الغرب، لا سيما تلك الناشطة في منظمات المجتمع المدني بمحاولة استنساخ نموذج الإدارة الذاتية الكردية ولكن بصيغة درزية جنوبية، وفي الرقة تشير التقارير إلى دعم خارجي محدود لبعض الزعامات العشائرية المعارضة “لـقسد”.

التداعيات على معادلة الصراع الرئيسي

إن تزامن الحراكين في الرقة والسويداء يضع النظام السوري أمام تحد مزدوج، فمن جهة تهديد جدي لوحدة الأراضي السورية عبر مشاريع تفكيكية جديدة، ومن جهة أخرى خطر توسع دائرة الاحتجاج الشعبي لتشمل مناطق أخرى تعاني من أزمات مماثلة.

وبالنسبة لحلفاء دمشق مثل روسيا وإيران، فإن هذا التوتر يعرقل خطط إعادة الإعمار وتطبيع النظام دوليا ويفرض أولويات أمنية جديدة في الجنوب والشمال الشرقي. فيما تجد المعارضة في هذا التحرك الشعبي فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، لكن غياب قيادة موحدة وبرنامج سياسي جامع قد يحول دون استثمار هذه الدينامية.

التعليقات مغلقة.