الانتفاضة // شاكر ولد الحومة
ما يجري اليوم في ملف المستثمر بفندق أربعة نجوم في قلب الدار البيضاء ليس مجرد نزاع إداري عابر، بل هو قضية رأي عام، تفضح مكامن الخلل العميق في منظومة القرار المحلي، وتثير أسئلة ثقيلة عن حدود السلطة والتلاعب بالإجراءات، وعن حقيقة إحترام التعليمات الملكية وأحكام القضاء.
لنعد خطوة إلى الوراء:
المستثمر حصل على رخص الهدم والبناء واحتلال الملك العمومي، كل ذلك بطرق قانونية موقّعة من الجهات الرسمية.
بعد هدم البناية، بدأت موجة مزاعم بأنها بناية تاريخية، بينما شهادة المعلومات وتصميم التهيئة ورد وزارة الثقافة كلها أكدت العكس.
مع ذلك، جرى توقيف الورش بذريعة أن الحواجز الحديدية لا تستوفي المعايير، مع أن لا أحد قدّم دليلاً على وجود دفتر تحمّلات محدد لهذه المواصفات.
وبعد لجوء المستثمر للقضاء، صدر حكم بإلغاء قرار إيقاف الأشغال، لكنه لم يُنفَّذ، وهو ما يشكل تحقيرًا صريحًا لمحررات قضائية نافذة.
ثم تحرّكت خطة بديلة: الدفع بأن الرخصة إنتهت صلاحيتها رغم أن الورش كان مفتوحًا، والأساسات قد حُفرت 9 أمتار، والتوقيف كان بأمر إداري طيلة مدة التقاضي.
وهنا يحقّ لنا أن نسأل:
هل الدولة نفسها هي التي تعرقل تنفيذ أحكام الدولة؟
ولمّا لم تنجح هذه المبررات، تم اللجوء إلى نزع الملكية لإعلان المنفعة العامة في دورة إستثنائية، في سباق محموم بدا أقرب إلى تصفية حسابات إدارية، والمفارقة أن هذا المقرر لم يُشهَر كما يفرض القانون، ولم يظهر إلى اليوم في موقع جماعة الدار البيضاء.
ثم جاءت الخطوة الأكثر غرابة: إغلاق الورش وردمه بـ300 شاحنة من الأتربة والحجارة بحجة حماية المارة، فيما الورش مسوّر ومحاط بحواجز، وهو ما يطرح علامات إستفهام خطيرة:
لماذا لم تُحترم تقارير المختبر؟
ما مصلحة كل هؤلاء في طمس مشروع إستثماري بقيمة مضافة سياحية هائلة؟
هل نحن بصدد تحضير الأرضية للعودة إلى ترويج فكرة أن البناية أثرية؟
أما الأخطر فهو أن هذه الممارسات جرت بعد إعفاء الوالي السابق “احميدوش”، الذي لم يلتزم بتوجيهات الملك محمد السادس بشأن تبسيط الإستثمار، وهو ما اضطر ملك البلاد إلى التدخّل بنفسه، وتسمية العراقيل بـ”الخيانة”.
هنا يطفو سؤال سياسي حارق:
هل وزير الداخلية “عبد الوافي لفتيت”، يدعم فعلاً هذا التوجّه الذي يقوده الوالي الجديد “محمد امهيدية”، أم أن الأمر فيه ما فيه؟
فالجميع يعرف أن “لفتيت”، قد أجمع أكثر من مرة بشأن النهوض بعرض الإيواء والفندقة، إستعدادًا لكأس إفريقيا وكأس العالم، وأصدر توجيهات بتسريع وتيرة المشاريع الكبرى.
فكيف يُعقل أن فندقًا من 14 طابقًا يتعرّض لمثل هذا الحصار الإداري غير المفهوم؟
هل “لفتيت” فعلاً على علم بكل هذه التفاصيل، أم أن أطرافًا أخرى تدفع في الظل لإدامة العرقلة وتوريط وزارة الداخلية في صراع مصالح؟
كل ما سبق يطرح علامة إستفهام سياسية ودستورية:
إذا كان الملك قد قال حرفيًا: “إن توقيف مشروع لحسابات شخصية هو خيانة للوطن”، وإذا كانت محكمة النقض قد قالت كلمتها، فمن يجرؤ اليوم على تجاهل التوجيهات الملكية، وتحريف سلطة القضاء، وتحويل الدولة إلى خصم لمستثمر وثق في شرعية الرخص؟
لقد صار هذا الملف إمتحانًا للدولة قبل أن يكون إمتحانًا للوالي أو العمدة أو المصالح الخارجية.
هل نحن دولة مؤسسات، أم دولة شطط؟
هل يتم إحترام أحكام القضاء باسم جلالة الملك، أم تبقى مجرد حبر على ورق؟
هل التعليمات الملكية مُلزمة، أم تتحوّل إلى شعارات تزين الخطب والبلاغات الرسمية؟
في النهاية، من حق المغاربة أن يطرحوا هذا السؤال المشروع:
إذا كان مشروع فندق بهذا الحجم وبهذا الوضوح القانوني يُعرقل على مدى سنوات، فماذا يتبقى من الأمل في تشجيع الإستثمار، والقطع مع ممارسات الماضي؟
إن القصة لم تنتهِ بعد، وستبقى عنوانًا صارخًا على مفترق الطرق بين دولة تحترم القانون… أو سلطة تقتات على الشطط.
التعليقات مغلقة.