بكالوريا 2026 بين التفوق العلمي واختناق عتبات التوجيه

محاولة في التحليل والتفسير

0

الانتفاضة / حسن إدو عزيز

يقدم البلاغ الصحفي الصادر عن وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بتاريخ 18 يونيو 2026، حول المعدلات المسجلة في الدورة العادية للامتحان الوطني الموحد لنيل شهادة البكالوريا، معطيات هامة ذات أبعاد بيداغوجية واجتماعية تستلزم المساءلة المتأنية قصد الكشف عن بنية التميز المدرسي داخل منظومتنا التعليمية.

ولعل أبرز ملاحظة تلوح من قراءة هذه المؤشرات هي ذلك التموقع التراتبي الحاد لقطب العلوم والتكنولوجيات والمسالك الدولية (خيار فرنسية). إذ استأثر هذا القطب لوحده بما يزيد على 71% من صدارة المعدلات الوطنية، يتقدمها مسلك العلوم الرياضية “ب” بمعدل قياسي استقر في 19.76.

والحقيقة أنه لا يمكن عزل هذا التمركز البنيوي عن هندسة المناهج والآليات الديداكتيكية المعتمدة، حيث تخضع اختبارات المواد العلمية لسلالم تقويمية جزئية تتسم بالدقة، مما يتيح للمتحَنين نيل العلامة الكاملة دون التأثر بذاتية المصحح أو تمثلاته وانطباعاته، وهو ما يفسر الطفرة المرصودة في معدلات شعب التقنيات الميكانيكية والكهربائية التي فاقت عتبة 19 من عشرين. ويتداخل هذا المعطى البيداغوجي مع الوعي المتنامي لدى الأسر التي تعمد إلى استثمار رساميلها المادية بتوجيه أبنائها مبكرا نحو هذه المسالك، كمحدد أساسي للعبور نحو مؤسسات التعليم العالي ذات الأفق القيمي والمهني الواعد.

وفي نفس السياق، تطرح المؤشرات الإحصائية المضمنة في الوثيقة ملاحظة أخرى بالغة الدلالة حول تأنيث التميز بصيغة تكاد تكون مهيمنة؛ حيث تبوأت الإناث طليعة المشهد بنسبة ناهزت 64% من أعلى المعدلات الوطنية حسب المسالك، وهي نسبة سترتفع إلى 75% فيما يتعلق بالمعدلات الأولى على صعيد الأكاديميات. ولعله اكتساح يرجع إلى مجموعة من المحددات النفسية والتربوية والاجتماعية، فالفتيات في هذه المرحلة العمرية غالبا ما يظهرن مستويات أكبر من الامتثال للتوجيهات المؤسساتية، والمواظبة على التحصيل الدراسي، فضلا عن كون التفوق الأكاديمي يشكل في تمثلاتهن رافعة أساسية للريادة وإثبات الذات.

أما على مستوى التوزيع الجغرافي، فالملاحظ أن ترتيب النتائج يعيد إنتاج التفاوتات المجالية الصارخة بين أقطاب المملكة. حيث تحتكر جهة الدار البيضاء- سطات لوحدها ما يفوق نصف المعدلات المتصدرة وطنيا بنسبة بلغت 57.14%.. ولعل هذا التمركز السوسيو- مجالي يعكس بشكل موضوعي الفجوة التنموية البنيوية بين مركز اقتصادي يزخر بعرض تربوي متنوع وبنيات تحتية متطورة، وبين بقية الأقطاب والجهات… رغم أن ظهور بعض المعدلات المرتفعة، والتي تفوق 19.50 في أكاديميات جهوية كبني ملال- خنيفرة والعيون- الساقية الحمراء، يحمل دلالة بيداغوجية مضادة توحي بأن التميز الفردي والمجهود الذاتي للتلاميذ قادر على اختراق الفجوات المؤسساتية ومقاومة إكراهات المحيط..

ويتجلى هذا التحدي بشكل أوضح عندما نقارن المتغير المرتبط بنوعية التعليم، إذ يسجل القطاع العمومي استمرار ريادته اللافتة باحتضانه لـ 58.33% من أعلى المعدلات الجهوية من داخل ثانويات تأهلية عمومية تتمركز بالهوامش والمدن المتوسطة.. مما يثبت أن المدرسة العمومية الوطنية، ورغم كل الإكراهات، لا زالت تمثل خزانا استراتيجيا لإنتاج النخب والكفاءات، وبيئة بيداغوجية تنافس القطاع الخاص الذي بات بيئة حاضنة للتفوق…

وبمقارعة هذه المعدلات المتضخمة بخلفيات التكوين وسياقات التوجيه داخل المنظومة؛ نجد أن ارتفاع نسب النجاح العامة المسجلة يعكس تزايد الكتلة العددية للحاصلين على الميزات العالية على الصعيد الوطني. وهنا تبرز المفارقة الحادة المتمثلة في الاصطدام بمحدودية العرض التكويني لما بعد البكالوريا، وبالطاقة الاستيعابية الضيقة جدا لمدارس الاستقطاب المحدود، وفي مقدمتها كليات الطب والصيدلة، والأقسام التحضيرية للمدارس العليا، والمعاهد العليا للمهندسين. وهو اختناق بنيوي يفرض على شبكات الفرز اللجوء إلى انتقاء متشدد للتلاميذ يرفع عتبات الولوج إلى مستويات قياسية، مما يحول التميز البيداغوجي من مسار متكامل لبناء الكفايات المعرفية والحياتية إلى سباق تكتيكي محموم يحدد بالفاصلة تفرضه الضرورة لانتزاع مقعد جامعي. وهي مضاربة رقمية تفرز ارتدادات نفسية واجتماعية محبِطة لشريحة واسعة من المتفوقين الذين يجدون أنفسهم في نهاية الأمر مقصيين من مباريات هذه المعاهد رغم حصولهم على ميزات عالية.. مما يضعنا أمام هندسة تقويم نجحت إلى حد كبير في انتاج المعدلات الملفتة، في الوقت الذي تراجعت فيه مساءلة نجاعة أدوات التقويم.. في ظل اختبارات لازالت تركز على الحفظ والاسترجاع والتنميط مقابل إغفال قياس ملكات التفكير النقدي والإبداعي…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.