(كيبقات ماما)؟ السؤال الذي ليس له إجابة..

الانتفاضة // محمد المتوكل

(كيبقات ماما)؟

سؤال لو أنزلته على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الموقف وصدمة الهول.

سؤال بريئ من شاب بريئ لا يعلم أن سؤاله هذا لا جواب له.

وإن إجابته في هذه الظروف الكالحة يعتبر من المعجزات الثمانية أو التاسعة و العاشرة إن وجدت.

(كيبقات ماما)؟

سؤال طرحه الشاب بعد أن رأى أمام عينيه بأن أمه المرحومة ذهبت الى المستوصف لتلقي العلاج بعد أزمة صحية مفاجئة.

ظل الشاب يطرح على نفسه مئات الأسئلة بل ألاف الاسئلة بل ملايين الأسئلة وهو يمني النفس بعودة (ماماه) إلى المنزل سليمة معافاة.

لكن ظل الشاب الحيي التقي النقي يرتقب، كل مرة يسأل أباه (كيبقات ماما).

فيقول له هذا الأخير (لاباس أولدي ها حنا جايين).

لكن ظل الشاب يرتقب ويرتقب ويرتقب، حتى اتصل عليه الأب مناديا هل أنت في المنزل؟

قال الشاب نعم.

قال له الأب هل جاء فلان وفلانة؟

قال الشاب نعم.

قال له الأب: إسمع يا ولدي أنت الآن الرجل في المنزل، وأنت المعول عليه بعد الله تعالى، وحاول أن تجمع إخوانك وأخواتك الخمسة بعد أن…؟؟؟

انقطع نفس الأب وتردد في إخبار الإبن.

بعد ماذا يا أبي؟

كرر الإب السؤال: (كيبقات ماما)؟

لم يجد الأب بدا من الإجابة الصادمة القاتلة المزلزلة والمرعبة والمهولة والخطيرة والكاسرة لكل الأماني والمهددة لكل كيان والمزعزعة للمشاعر والمذرفة للدموع والمؤدية للأحزان.

(ماماك أولدي ماتت.. توفاها الله وبغاها الله وداها الله).

أجوبة مزلزلة ومحيرة ومقلقة وصادمة و يشيب لها الولدان.

إنهار الإبن وقال: (ماما ماتت)؟؟؟

لم يتمالك الإبن الإجابة فانهمر باكيا وجلس إلى الأرض مستشعرا وجع الفقد وألم الفراق  ومرارة اليتم، مع أمه التي كانت بالأمس إلى جانبه وإلى جانب أربعة من إخوانه و أخواته صغارا في كل احتياجاتهم، وهم لا يعلمون أن أمهم توفيت رحمها الله رحمة واسعة.

لقد ذهبت المسكينة حية وعادت ميتة.

الكبار منهم فهموا ولو متأخرين أن الأم الرؤوم والحنون والتي كانت تحضن عليهم من كل شيء، أصبحت الآن طريحة الكفن و موسدة التراب ومتجهة للقبلة في صندوق ضيق وقبر ضيق عليه وابل من التراب.

أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يكونا واسعين وساعة السماوات والأرض وأكثر من ذلك.

تأثر الإبن الذي علم علم اليقين أنه أصبح يتيما.

وأن والدته فارقته نهائيا وبدون مقدمات.

وانتقلت من دنيا العذاب والنصب والكد و الهم والغم اإلى عالم الغيب والرحمة والمغفرة في جوار رب البرية.

وأنها بفضل الله تعالى تركت الدنيا الفانية وانتفلت إلى الحياة الباقية.

وأنها أسلمت الروح إلى باريها وأرجعت الأمانة إلى مولاها.

وأنها أغمضت عيناها نهائيا وتوقف قلبها وتغير لونها واستسلمت لملك الموت الذي توفاها في سيارة الإسعاف، حيث كانت متجهة إلى المستوصف ليتحقق فيها قوله تعالى: “ولا تدري نفس بأي أرض تموت”.

ماتت المسكينة وانتقل الأمل إلى ألم والرجاء إلى فاجعة وبكاء ونحيب ووجع لا يعوضه أحد الا الله تعالى.

ألم فراق أم كانت بالأمس يعود إليها الأبناء ملتمسين إياها أكلا وشربا وملبسا وأشياء أخرى.

ليجدوا جميعا أنفسهم أمام بيت كبير لكنه فارغ من القلب الكبير و العطف المتواصل والعطاء اللامتناهي لأم (ربات وعرفات آش ربات).

بيت خال إلا من زوج وأبناء يحملقون في البيت وفي بعضهم البعض، ولا يعرفون ماذا يقدمون ولا ماذا يؤخرون.

زوج عمل المستحيل من أجل زوجته، لكن إردة الله كانت أقوى من الجميع.

و بيت خال وفارغ رغم وجود الأب الذي كان ولا زال وسيبقى هو السند والمعتمد بعد الله تعالى في لم الشمل وجمع الشتات.

لكن يبقى لدور الأم أهمية بالغة و لا يعوضها أحد.

ماتت المسكينة في عز الصيف.

و ماتت المسكينة في عز وجود أطفال صغار.

و ماتت المسكينة في عز أملها في العودة إلى أهلها وذويها سالمة غانمة.

لكنها عادت في أكفانها وصندوقها محمولة عى أكتاف أربع.

ماتت المسكينة وانتقلت الى جوار الله، الرحمان، الرحميم، الْمَلِكُ، الْقُدُّوسُ، السَّلَامُ، الْمُؤْمِنُ، الْمُهَيْمِنُ، الْعَزِيزُ، الْجَبَّارُ، الْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ، الْبَارِئُ، الْمُصَوِّرُ، الْغَفَّارُ، الْقَهَّارُ، الْوَهَّابُ، الرَّزَّاقُ، الْفَتَّاحُ، الْعَلِيمُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الْخَافِضُ، الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ، الْمُذِلُّ، السَّمِيعُ، الْبَصِيرُ، الْحَكَمُ، الْعَدْلُ، اللَّطِيفُ، الْخَبِيرُ، الْحَلِيمُ، الْعَظِيمُ، الْغَفُورُ، الشَّكُورُ، الْعَلِيُّ، الْكَبِيرُ، الْحَفِيظُ، الْمُقِيتُ، الْحَسِيبُ، الْجَلِيلُ، الْكَرِيمُ، الرَّقِيبُ، الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ، الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ، الْمَجِيدُ، الْبَاعِثُ، الشَّهِيدُ، الْحَقُّ، الْوَكِيلُ، الْقَوِيُّ، الْمَتِينُ، الْوَلِيُّ، الْحَمِيدُ، الْمُحْصِي، الْمُبْدِئُ، الْمُعِيدُ، الْمُحْيِي، الْمُمِيتُ، الْحَيُّ، الْقَيُّومُ، الْوَاجِدُ، الْمَاجِدُ، الْوَاحِدُ، الصَّمَدُ، الْقَادِرُ، الْمُقْتَدِرُ، الْمُقَدِّمُ، الْمُؤَخِّرُ، الْأَوَّلُ، الْآخِرُ، الظَّاهِرُ، الْبَاطِنُ، الْوَالِي، الْمُتَعَالِي، الْبَرُّ، التَّوَّابُ، الْمُنْتَقِمُ، الْعَفُوُّ، الرَّءُوفُ، مَالِكُ الْمُلْكِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، الْمُقْسِطُ، الْجَامِعُ، الْغَنِيُّ، الْمُغْنِي، الْمَانِعُ، الضَّارُّ، النَّافِعُ، النُّورُ، الْهَادِي، الْبَدِيعُ، الْبَاقِي، الْوَارِثُ، ‌الرَّشِيدُ، ‌الصَّبُورُ.

ماتت المسكينة وهي توصي زوجها وأبناءها بالألفة والحب والتعضد والتآزر وكأنها تودع عالم الشهادة إلى عالم الغيب.

فاجعة ما بعدها فاجعة ألمت بالأسرة الكريمة، وقلبت رأسها على عقبها.

كما لا يمكن لعاقل إلا أن يتأثر بوجود أطفال صغار لا يدرون حقيقة الموت، ولا يعلمون إلا أن والدتهم ربما مريضة بعد صراع مرير مع المرض والذي لم ينفع معه علاج وذهبت للعلاج وستعود عما قريب.

و بها أذى وذهبت إلى الإستشفاء وستعود، لكنها حتما لن تعود.

وحتى الأطفال الكبار نوعا ما و حتى وإن فهموا أن أمهم ماتت، لكن لهم أمل ربما أن أمهم ستعود يوما لكن هيهات هيهات.

مشاهد قاسية لأطفال يبكين أمهم التي ماتت بعيدة عنهم.

وجروح لا تندمل لأطفال جاؤوا ليودعوا أمهم خلف الزجاج وفي الصندوق الوداع الأخير والنهائي.

أطفال يسألون أسئلة قاسية تخر لها السموات و تنشق لها الارض وتجعل الحليم حيران.

(فين مشات ماما)؟

(فين ماما)؟

(فين مشات)؟

(علاش مشات)؟

(فوقاش غاترجع)؟

(مالها أبابا)؟

(شنو تايضرها)؟

(عطني التلفون نعيط عليها)؟

(هاهي ماما فالتلفون)؟

(شفتيها ها هي)؟

(شوف صورتها؟

(شوف ها هي فالكوزينة)؟

(شوف بيت النعاس؟

(ماما)؟ (ماما)؟ (ماما)؟

الصمت يملأ المكان ولا مجيب.

أسئلة تمزق القلب تمزيقا وتصيب الفؤاد في مقتتل وتقسمه شطرين، ولكن لا مجيب إلا بتغيير الأب الموضوع بموضوع آخر.

بقي بيت الزوجية فارغا ولم يستطع أحد من الأطفال الإقتراب منه.

ومرت عليهم الليلة الأولى بدون أمهم في عذاب أليم.

لكنه أكيد هم في رحمة من الله ورضوان وسلم وسلام وأمن وإيمان وحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه وتعالى.

نام  الأطفال ولم يناموا، ونام الزوج ولم ينم.

لكن الزوجة نامت وحيدة في الخلاء وفي المقبرة وفي الحفرة وبدون ملابس ولا مكيف ولا إزار ولا أي شيء الا رحمة الله تعالى وتبارك ومغفرته ورضاه ورضوانه.

قضت المرحومة أول لياليها في لحدها وقبرها الذي أسال الله الحي القيوم أن يجعله روضة من رياض الجنة ولا يجعله حفرة من حف جهنم.

وابتعدت عن أهلها وذويها ولن تراهم ولن يروها إلا يوم القيامة.

انتهت قصتها في الدنيا، وانتهى مسار عملها في الحياة.

وانتقلت إلى علام الغيوب تاركة وراءها أطفالا صغارا كالفراخ (يقطعون القلب).

رحلت وتركت الأطفال يسائلون أنفسهم وأباهم وإخوانهم وأهلهم ماذا وقع؟

يستيقظ الأطف لليوم الثاني ولا يجدون أمهم.

و يستيقظون لليوم الثالث ولا يجدون أمهم.

يتأكدون متأخرين على صغر عقولهم أن أمهم ربما تكون ذهبت إلى مكان قريب ستعود.

علما أنها في حياتها كانت لا تخرج إلا لماما.

ولكن هذه المرة خرجت بصفة نهائية.

لكن هيهات هيهات هي لن تعود إلا يوم القيامة.

لن تعد القهوة من الآن فصاعدا.

ولا الشاي ولا الأكل ولا الشرب، ولا تتصل بهاتف ولا تطمئن على أحد ولا تنتظر أحدا ولا تسال عن أحد.

فهي الآن في ضيافة الرحمان الرحيم ولا تنتظر إلا دعوة مباركة من زوجها وأبنائها ومحبيها وأقربائها والمسلمين عامة ليس إلا.

وأما الفاجعة التي هزت الأركان وشلت الأرجل فهي طفلها الذي ذهب إلى المقبرة وهو يرى أن أمه يتم وضعها في القبر، وفي اللحد ويتم وضع التراب على جسدها الطاهر وهو لا يدري ماذا وقع؟

يلوح بورقة في يديه ويحملق في الناس يمينا ويسارا وكأنه يشاهد عملية تقام لأول مرة في حياته.

يودعها ويعود إلى البيت لعله يجدها.

ينادي:

(ماما)؟

(ماما)؟

(ماما)؟

لا مجيب.

أما صاحب سؤال (كيبقات ماما)؟

فهو يدري أن آخر رؤيته لأمه كانت من خلال إطلالته عليها من خلال فتحة الصندوق ومرافقته لها إلى المقبرة مشيعا وداعيا وباكيا.

بعد أن جلس يبكي ويدعو لها وقد علم علم اليقين أنه سيعود إلى المنزل ولن يجد التي سأل عنها أباه (كيبقات ماما)؟

(ماماه) تركها في القبر إلى الأبد، وعاد ليتسلح بالصبر والجلد والقوة والعزيمة والتحدي الذي تلقاه من الفقيدة، ومن أبيه الذي علم علما لا مرية فيه أن (الدار خلات عليه).

وأنه (مسامحها دنيا وآخرة وراضي عليها دنيا وآخرة).

أختاه أرقدي في قبرك سالمة غانمة.

رحمك الله برحمته الواسعة.

فاللهم أكرم نزلها، ووسع مدخلها واجعلها في جوار سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

اللهم اربط على قلب أبنائها وزوجها وعوضهم خيرا يا رب العالمين.

لو كان الإنسان يعتبر لاعتبر فقط من فاجعة الموت.

وخاصة عند سؤال الشاب أباه: (كيبقات ماما)؟.

حينها يتمنى الإنسان أن تقوم القيامة ولا يسمع مثل هذا السؤال.

فاللهم أحسن عاقبتا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الذنيا وعذاب الآخرة.

التعليقات مغلقة.