الذكاء الإصطناعي يدخل المعركة ضد الأمراض.. من المنتصر؟

الانتفاضة //إبتسام بلكتبي//صحفية متدربة

في زمن تتسارع فيه الإبتكارات التقنية، والبحث عن حلول تساهم في تسهيل الحياة اليومية، يشق الذكاء الإصطناعي طريقه بقوة إلى أحد أكثر المجالات حساسية وتعقيدا، الا وهو : “الطب وصناعة الأدوية”.

لم يعد الذكاء الإصطناعي مجرد تقنية مساعدة، بل أصبح ركيزة أساسية في تطوير العقاقير، وتقصير المسافات بين المعاناة والعلاج، وفتح آفاق جديدة في عالم لم يكن يتخيل فيه الإنسان، أن “الآلة” ستلعب دور الطبيب أو الباحث أو حتى الصيدلي.

وتمر صناعة الدواء بعدة مراحل معقدة تبدأ بالاكتشاف، والتجارب المخبرية، فالسريرية، ثم التصنيع والتسويق، حيث بات الذكاء الاصطناعي اليوم، يختصر العديد من هذه الخطوات، ويعيد رسم طريقة العمل في كل مرحلة.

وفي مرحلة الإكتشاف، تساعد الخوارزميات على تحليل قواعد بيانات ضخمة من الجينوم البشري، لفهم أسباب الأمراض وتحديد أهداف علاجية جديدة.

أما في مرحلة تصميم الأدوية، فيمكن للذكاء الإصطناعي ابتكار جزيئات دوائية فعالة خلال أيام بدل شهور أو سنوات.

وفي مرحلة التجارب السريرية، فهو يستخدم لاختيار المتطوعين الأنسب، وتوقع الإستجابات الدوائية، وتقليل نسب الفشل.

وبحسب تقرير صادر عن شركة “ماكينزي” للاستشارات، يمكن للذكاء الإصطناعي أن يقلص زمن تطوير الأدوية بنسبة تصل إلى 50%، ويخفض التكاليف بأكثر من 30%.

وفي عالم تتطلب فيه صناعة دواء واحد أكثر من 10 سنوات وبميزانية تفوق مليار دولار، يمثل الذكاء الإصطناعي فرصة ذهبية لتسريع الوصول إلى العلاجات، وتقليل الأعباء المالية على شركات الأدوية، والمرضى على حد سواء.

هل مهنة الصيدلي مهددة؟

مع صعود تقنيات مثل “الروبوت الصيدلي” و”المساعدات الذكية”، تزايدت التساؤلات حول مصير مهنة الصيدلي، لكن الواقع يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي، لا يلغي دور الصيدلي ولا يمكنه أن يؤثر عليه بأي شكل من الأشكال، وهنا لن يقتصر دور الصيدلي المستقبلي على صرف الأدوية، بل سيصبح مستشارا علاجيا، يقدم تحليلا متخصصا، ويتابع تفاعلات الأدوية وأثرها على المريض باستخدام أدوات ذكية.

الذكاء الإصطناعي يسطع في معالجة الأمراض

بدأ المغرب يولي إهتماما متزايدا بالتحول الرقمي في قطاع الصحة، إذ أطلقت وزارة الصحة مشروعات رقمية، تشمل رقمنة الملفات الطبية واعتماد أدوات الذكاء الإصطناعي، في تحليل الصور الشعاعية وتشخيص بعض الأمراض، كما تعمل مراكز جامعية ومؤسسات بحثية على تطوير حلول ذكية موجهة للقطاع الصحي، وإن كانت المبادرات لا تزال محدودة وتحتاج إلى دعم أكبر وتمويل مستدام لتأخذ بعدا وطنيا شاملا.

وتشير تجارب حديثة إلى تحول الذكاء الإصطناعي من مجرد أداة مساعدة إلى لاعب رئيسي في البحث الطبي وتطوير الأدوية.

فقد نجحت شركة Insilico Medicine في إنجاز مهمة استغرقت سابقا سنوات طويلة، إذ طورت عقارا لعلاج التليف الرئوي خلال 46 يوما فقط، وذلك بفضل خوارزميات ذكاء إصطناعي متقدمة، قامت بتصميم المركب الدوائي وتحليله وإختباره رقميا.

أما شركة Atomwise، فقد سخرت الذكاء الإصطناعي لاكتشاف مركبات فعالة ضد فيروس “إيبولا”، وهو ما ساعد في تسريع مرحلة ما قبل التجارب السريرية، التي تعد من أكثر المراحل تكلفة وزمنا في مسار تطوير الأدوية.

ومن جهتها، تعاونت شركة Pfizer مع منصة IBM Watson لتطبيق الذكاء الإصطناعي في مجال أبحاث السرطان، وتمكنت الخوارزميات من تحليل ملايين الدراسات العلمية، بغرض إقتراح التوليفات العلاجية الأنسب لكل حالة مرضية.

هذه النماذج ليست مجرد قصص نجاح معزولة، بل دليل ملموس على قدرة الذكاء الإصطناعي على تقليص الهوة الزمنية بين الفكرة والدواء، وتحقيق قفزات نوعية كانت حتى وقت قريب خارج نطاق الممكن.

ورغم أن دول العالم العربي ما تزال في بداية الطريق مقارنة بالدول المتقدمة في هذا المجال، إلا أن بعض المبادرات، بدأت ترسم ملامح دخول الذكاء الإصطناعي إلى قطاع الصحة وصناعة الأدوية.

ففي الإمارات العربية المتحدة، أطلقت الحكومة “إستراتيجية الإمارات للذكاء الاصطناعي 2031″، وخصصت جزءا منها لتطوير أدوات تحليل البيانات الصحية وتطبيقات التشخيص الذكي، حيث ظهرت بالفعل مشاريع تجريبية في بعض المستشفيات.

أما السعودية، فقد جعلت من الذكاء الإصطناعي ركيزة أساسية في رؤيتها المستقبلية، خصوصا عبر مشروع “نيوم”، تسعى من خلاله إلى بناء بنية تحتية رقمية للقطاع الصحي، تعتمد على تقنيات تحليل البيانات والتشخيص التنبؤي.

كما تشهد قطر تحركات مماثلة، حيث يعمل “مركز سدرة للطب”، على دمج الذكاء الإصطناعي في تحليل بيانات الأبحاث الطبية، والمساعدة في إتخاذ القرارات السريرية بشكل أدق وأسرع.

ومع ذلك، تبقى التحديات كبيرة، وفي مقدمتها غياب التشريعات، التي تنظم إستخدام الذكاء الاصطناعي في الطب، إلى جانب ضعف التمويل وقلة الكفاءات المتخصصة في هذا المجال.

التعليقات مغلقة.