الانتفاضة : محمد السعيد مازغ
وأنا أتابع الحشود الغفيرة التي تقاطرت على مدينة الصويرة لحضور فعاليات مهرجان كناوة في دورته السادسة والعشرين، وقد استبد بها الشغف بهذا الفن العريق، لم أستطع أن أتجاهل مشهدًا آخر، ظلّ خارج عدسات الكاميرات وعدسات الهواتف… مشهد المدينة وهي تكشف عن وجهها الآخر، بعيدًا عن الأضواء والموسيقى والأهازيج.
لا شك أن الإقبال الكبير على المهرجان يؤكد أن كناوة ليست مجرّد إيقاعات، بل ذاكرة حية وموروث روحي يمتد في وجدان المغاربة والعالم. إلا أن محاولات “تحديث” هذا الفن بإقحام آلات دخيلة تفقده هويته، أو تحويله إلى سلعة تُدار بمنطق الربح، مما يدفع للتساؤل: لمن يُقام هذا المهرجان فعلًا ؟ وعلى من تُوزّع “البادجات!؟ وبأية معايير تمنح امتيازات التغطية!؟
ليس هذا محور حديثي، رغم أهميته. ما يستحق التوقف عنده هو واقع البنية التحتية المهترئة لمدينة يُفترض أنها استعدّت لاحتضان حدث دولي بهذا الحجم.
في الصويرة، ما زال الزائر يُضطر للتوسل إلى أصحاب المقاهي من أجل قضاء حاجته، أو يُدفع اضطرارًا للتبول في الهواء الطلق، على جدران المدينة أو بين صخور شاطئها، في ظل غياب مراحيض عمومية نظيفة وآمنة. أما مواقف السيارات فغائبة أو عشوائية، وأسعار بعضها تخضع لأمزجة بعض “الحرّاسين”، أما الأسعار لموقف باب مراكش فيعد وصمة عار في جبين مؤسسة أولى بها ان تكون الى جانب المواطن.
والنفايات؟ كأن المدينة لم تُكلّف نفسها عناء وضع حاويات كافية، ولا حتى تلك الصغيرة على أرصفة الشوارع، فتتكدس الأزبال تحت أقدام الزوار والسكان على حد سواء.
أما العروض الليلية، فغالبًا ما تتحول إلى مصدر إزعاج مزمن للمرضى والمسنين والأطفال، من دون أدنى احترام لأبسط معايير التوازن بين الاحتفال وحق السكان في الراحة.
المنظمون؟ أسماء تتصدر الواجهات، لكن الحضور الحقيقي هو لعناصر الأمن الوطني الذين يبذلون مجهودًا مضاعفًا لضمان الأمن في ظروف مرهقة، وكأنهم يُعاقبون على التزامهم.
في النهاية، يظل التناقض صارخًا بين إشعاع مهرجان كناوة وواقع الخدمات الأساسية في المدينة. ويظل السؤال معلّقًا: متى نربط بين الثقافة والتنمية؟ متى نتوقف عن تقديم الصورة على حساب الجوهر؟ متى تصبح المهرجانات مناسبة لاحترام الإنسان لا فقط للترويج للمدينة؟.
الصويرة ليست مجرد خلفية لعدسات العالم، إنها مدينة حقيقية، يعيش فيها الناس، ويتوافد إليها الزوار… ويستحقون جميعًا الحد الأدنى من الكرامة.
التعليقات مغلقة.