الانتفاضة// حسن الخباز
بعد الإهتمام الكبير الذي أولاه كبار المثقفين الأوربيين للقرآن الكريم، والذي تجلى من خلال كتاباتهم وآرائهم، ظهر إهتمام آخر غريب بمشروع “EuQu”، وهو اختصار لمشروع “القرآن الأوروبي”.
إنه المشروع الذي ظل، حتى وقت قريب، مشروعا بحثيا بحتا، يخضع لتقدير الجامعات، ليتعرض الكاتب “يونس بوسنة” في مقال نشرته صحيفة “لوموند” الفرنسية، لجزء من تاريخ هذا المشروع والعاملين عليه، وما حققه حتى الآن، حيث أبدى استغرابه في نفس الوقت، من الهجوم الحالي عليه، من طرف الأوساط اليمينية، التي زعم أنه متعلق بأجندة جماعة الإخوان المسلمين.
ويروي، الصحافي “بوسنة”، أن بحته ممول من الإتحاد الأوروبي بمبلغ 9.8 ملايين يورو، وهدفه إستكشاف تأثير القرآن الكريم على الثقافة والدين والفكر الأوروبي في الفترة ما بين عام 1143 (تاريخ أول ترجمة لاتينية للقرآن الكريم) و1850.
هذا ، وقد تم اختيار مشروع “بوستة”، ضمن منح التآزر المرموقة الممنوحة من مجلس البحوث الأوروبي (ERC)، والذي يتولى تنفيذه أربعة من كبار العلماء .
وتجدر الإشارة إلى أن المشروع، قد أنتج الكثير من الأعمال الجليلة ونذكر منها : 11 مجلدًا جماعيًا منشورًا، و6 أعمال فردية، و4 أطروحات، و30 مقالًا، والعديد من المعارض والمنشورات العامة، بما في ذلك قصة مصورة وعمل شامل بعنوان “القرآن الأوروبي”.
وتتجلى أهميته في إلقائه الضوء على الإستقبال الفكري والفني والسياسي للقرآن الكريم في أوروبا، متجاوزًا بذلك كليشيهات المواجهة الدينية.
وقد اكد منسقه “جون تولان” أنه : “من الواضح أن القرآن الكريم ليس من أوروبا، تمامًا كما هو الحال بالنسبة للكتاب المقدس، إن الحديث عن “قرآن أوروبي”، يعني دراسة تأثيره على الأوروبيين، لدى إستقبالهم له، وترجمته وتفسيراته”.
وفي نفس السياق، سلّطت الباحثة “إيمانويل ستيفانيديس”، الضوء على دور القرآن الكريم في الأدب الرومانسي، والذي غالبًا ما أُغفِل حتى الآن، حيث تقول: “غوته” (فيلسوف ألماني)، وبوشكين (شاعر وكاتب روسي)، وفيكتور هوغو (شاعر فرنسي)، كتبوا قصائد، تُعدّ إعادة صياغة حقيقية لبعض سور القرآن”.
وهناك أعمال كثيرة أخرى تُظهر كيف بدأ يُنظر إلى القرآن الكريم في أوربا، منذ القرن الـ18، باعتباره قانونا تشريعيا بدلًا من مجرد نص ديني، لا سيما من قِبل عالم الإجتماع الفرنسي “جون جاك روسو”، الذي إستشهد به كنموذج للقانون، في كتابه “العقد الإجتماعي”.
طبعا ، هناك فصائل سياسية أبدت قلقها من هذا المشروع، بعد مقال نُشر في صحيفة “جورنال دو ديمانش”، فضلا عن تغطية إعلامية قادها مجموعة بولوريه وصحيفة لوفيغارو،، حيث بدأت شخصيات التيارات اليمينية في التشكيك بهذا المشروع، وقد تُساءِل أعضاء في البرلمان الأوروبي عن تمويله .
وفي هذا السياق، طرح وزير بحكومة “ماكرون”، ويتعلق الأمر “بنيامين حداد”، فكرة تشديد الرقابة على الإعانات الأوروبية، حيث قال بالحرف : “لا ينبغي إستخدام يورو واحد من المال العام الأوروبي لتمويل أعداء القيم الأوروبية”.
و في المقابل هناك مواجهة حامية الوطيس مع المتحاملين على المشروع، فقد نشر حوالي ثمانين أكاديميًا بيان دعم، حيث يلخّص “تريستان فيجليانو” الوضع في الكلمات التالية: “هذه الهجمات سخيفة في جوهرها […]، لكنها مثيرة للقلق، لأنها تهدف إلى تقييد الحرية الأكاديمية”.
وفي تطورات الحدث، يرى “جون تولان” المشروع، كجزء من رؤية لأوروبا متعددة ومندمجة وتاريخية، بعيدة كل البعد عن الرؤى الجوهرية التي تروج لها بعض الحركات المتطرفة حيث قال: ” ويتعارض مع أساطير اليمين المتطرف والسلفيين، الذين يحلمون بتاريخ نقي، أبيض أو مسلم فقط”.
السؤال الذي يطرح نفسه بحدة في الظرف الراهن هو، هل تسلم أوربا بعدما تأثر كبار مثقفيها بالكتاب المنزل على رسول الإسلام والمسلمين؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة، خاصة بعد الإهتمام الكبير، الذي حظي به مشروع “القرآن الاوربي”.
التعليقات مغلقة.