كلمة “هشام البلاوي” رئيس النيابة العامة خلال ندوة دولية لوزارة العدل و الحريات

رئيس النيابة العامة يستعرض الرؤية القانونية المغربية لنظام الكد والسعاية في ندوة دولية بحضور خبراء من عدة دول

الانتفاضة 

في كلمة مؤثرة خلال ندوة دولية حول موضوع “نظام الكد والسعاية: مقاربات قانونية وتاريخية وتجارب مقارنة من العالم العربي”، أبرز هشام البلاوي، الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ورئيس النيابة العامة، خلال ندوة دولية لوزارة العدل و الحريات أهمية تطوير مقاربات قانونية حديثة تراعي الإنصاف بين الزوجين، مستعرضًا التجربة المغربية إلى جانب نماذج دولية مقارنة، وسط نقاش علمي وقانوني موسع.

بسم الله الرحمان الرحيم،

 والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.

  • السيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
  • السيد وزير العدل.
  • السيدة وزير العدل بالرأس الأخضر.
  • السيد سفير جمهورية مصر العربية.
  • السادة السفراء.
  • السيدات والسادة المسؤولون القضائيون.
  • السيد رئيس جمعية هيئة المحامين.
  • حضرات السيدات والسادة الخبراء.

حضرات السيدات والسادة، كل باسمه وصفته والتقدير الواجب لشخصه.

يشرفني أن أحضر معكم أشغال الجلسة الإفتتاحية لهذه الندوة الدولية المنظمة التي تتناول موضوعا ذي راهنية لتعلقه بإعمال نظام الكد والسعاية في ضوء مستجدات مراجعة مدونة الأسرة.

وبهذه المناسبة أود أن أشكركم السيد الوزير على دعوتكم الكريمة منوها بحسن اختياركم لموضوع هذه الندوة.

كما أود أن أرحب بضيوفكم الأعزاء من الدول الشقيقة المشاركة في فعاليات هذه الندوة، متمنيا لهم مقاما طيبا في بلدهم الثاني.

إن تنظيم هذه الندوة الدولية يأتي في سياق دقيق يتسم بمجموعة من التحولات والإصلاحات التشريعية الكبرى التي تعرفها بلادنا، في مقدمتها ورش مراجعة مدونة الأسرة الذي يقوده أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده بكل حكمة وتبصر.

ومما لا شك فيه أن تنظيم هذه الندوة سيشكل إطارا لبسط واستعراض تطور الممارسة الفقهية والقضائية المغربية في مجال إقرار حقوق المرأة كما سيشكل أيضا فضاءً لتقاسم التجارب ذات الصلة بمجال التمكين الاقتصادي للمرأة والاعتراف بالمجهودات التي تبذلها في إطار التنمية الاقتصادية للأسرة.

حضرات السيدات والسادة؛

لقد شكل موضوع الكد والسعاية بالنسبة للمرأة أحد الحلول الفقهية التي تعكس الإجتهاد المنفتح في إطار النوازل التي كانت تُعْرض على الفقهاء والقضاة والذين كانوا يجتهدون لإيجاد حلول لها في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية السمحاء، حيث أسَُّسُوا لهذا المبدأ والذي يعتبر تجسيدا لقيم العدالة والإنصاف وتكريسا للإعتراف بقيمة المجهودات المبذولة من طرف المرأة في تنمية أموال الأسرة.

ولقد حظي هذا الموضوع باهتمام ِكِبَار الفقهاء والقضاة وأُلِفَتْ فيه العديد من من المؤلفات التي حاولت التأصيل الشرعي لهذا الحق والبحث عن تطبيقاته العملية.

ويعد المغرب أحد البلدان التي عَرَفَت ِإعْمَالا لهذا الحق منذ قرون في بعض مناطقه، كجهة سوس وقبائل غمارة بالشمال وصدرت بشأنه فتاوى من أشهرها ما أفتى به ابن عرضون في زمانه لمَّا عُرِضَتْ عليه هذه المسألة بخصوص مساهمة المرأة في تنمية الغلة والعمل الفلاحي بالبوادي.

فقد كانت كُتُبُ النوازل فضاءً للإجتهاد الفقهي يتم من خلاله ربط فهم النص في ضوء الواقع المعيش انطلاقا من مقولة أن النص ثابت والواقع متغير وهو ما أَهَّلَهُمْ للبحث عن مناط الأحكام بما يحقق مصلحة الأفراد.

ولقد تَلَقَّفَ القضاء هذه الممارسات العرفية الفُضْلى منذ قرون وجعلها أساسا لأحكامه، لتتطور فيما بعد هذه القاعدة عبر التطبيقات القضائية المتلاحقة إلى قاعدة قانونية تم من خلالها إقرار حق الزوجة في نصيبها في الأموال المكتسبة أثناء قيام العلاقة الزوجية، بطريقة تراعي عمل كل واحد من الزوجين ومجهوداته، وما تحمله من أعباء في تنمية أموال الأسرة.

ويعد هذا الرصيد من العمل القضائي المنصف لجهود المرأة والذي أسست له قامات قضائية وفقهية فذة، منسجما مع تطور القانون الدولي لحقوق الإنسان في مجال التمكين الاقتصادي والإجتماعي للمرأة.

حضرات السيدات والسادة؛

لقد أثبتت التجربة قدرة الاجتهاد القضائي المغربي على الانفتاح، وعلى مواكبة التطورات المجتمعية المتسارعة، وابتكار حلول قضائية عادلة ومنصفة لتشكل بذلك أحد مصادر التشريع، وهنا يبرز دور الاجتهاد القضائي كآلية مُسَاِهَمة في نقل آثار التغيرات الاجتماعية والثقافية إلى مستوى التشريع، ولا شك أن هذا الدور سيتزايد بالنظر للأدوار المتعددة التي أصبحت تباشرها المرأة اليوم في عملية التنمية بمختلف أشكالها وإسهامها اليومي والمباشر في الإنفاق على الأسرة إلى جانب الرجل.

والأكيد أن إذكاء مثل هذه القيم سيساهم بفعل الوعي المتزايد بالحقوق والحريات في بلورة المداخل التي تؤدي إلى تعميق الفهم بها وتملكها لتعزيز قيم المساواة والمناصفة في تدبير الحياة الأسرية بين الزوجين وخلق أسرة متماسكة ومتوازنة باعتبارها الخلية الأساسية في بناء المجتمع كما نص على ذلك الفصل 32 من دستور المملكة.

حضرات السيدات والسادة؛

إن ما تحقق من مكتسبات للمرأة المغربية، لم يكن ليحصل لولا وجود قيادة رشيدة على رأس البلاد يجسدها أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، حيث لم يَدَّخِر جهدا منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين في تعزيز حماية المرأة، وتكريس حقوقها الكونية، وهو ما جَسَّدَته العديد من الخطابات الملكية السامية، وتم تكريسه من خلال إصلاحات هيكلية تروم التنزيل الفعلي للمناصفة، وتحصين المكتسبات الحقوقية للمرأة ودعمها، وتعزيز الضمانات التشريعية والقانونية والإجرائية الضامنة لحمايتها.

وفي هذا الإطار شدد جلالته في خطابه السامي الموجه للشعب المغربي بمناسبة عيد العرش المجيد بمناسبة الذكرى الثالثة والعشرين يومه السبت 30 يوليوز 2022، على رعايته الموصولة لتمكين المرأة من كافة حقوقها القانونية والشرعية حيث قال جلالته: ” إن بناء مغرب التقدم والكرامة الذي نريده، لن يتم إلا بمشاركة جميع المغاربة، رجالا ونساء في عملية التنمية.

 لذا نشدد مرة أخرى، على ضرورة المشاركة الكاملة للمرأة المغربية، في كل المجالات”، فالأمر هنا، لا يتعلق بمنح المرأة امتيازات مجانية، وإنما بإعطائها حقوقها القانونية والشرعية. وفي مغرب اليوم لا يمكن أن تُحْرَمَ المرأة من حقوقها“. انتهى النطق الملكي السامي.

حضرات السيدات والسادة؛

ختاما لا يسعني إلا أن أجدد لكم السيد الوزير خالص شكري على دعوتكم الكريمة والشكر موصول لكل من ساهم من قريب أو بعيد في تنظيم هذا اللقاء العلمي المتميز.

ولا شك أن ما سيسفر عنه جمعكم الرفيع هذا من خلال المناقشة المستفيضة للمواضيع المقترحة بالبرنامج، وتقاسم التجارب المقارنة، والممارسات الفضلى بشأنها، سيكون له أثر واضح في الخلاصات والتوصيات التي سيتم التوصل إليها، وسيشكل أرضية مشتركة للتفكير الجماعي، ولبنة أخرى في تعزيز مسار التمكين للنساء، وتبويئهن المكانة اللائقة بهن باعتبارهن شقائق للرجال.

متمنيا لأشغال الندوة كامل التوفيق والنجاح.

والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

هشام البلاوي

الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض

رئيس النيابة العامة

التعليقات مغلقة.