لماذا أنهت إسرائيل الحرب على غزة ووجّهت أنظارها نحو إيران؟

الانتفاضة // ابتسام بلكتبي // صحفية متدربة

في خطوة مفاجئة، أعلنت إسرائيل مؤخرا قرارها بوقف عملياتها العسكرية الواسعة في قطاع غزة، بعد شهور من المواجهات الدامية التي خلفت آلاف القتلى والجرحى ودمارا واسع النطاق في القطاع المحاصر.

و جاء هذا القرار متزامنا مع تصاعد التوتر غير المسبوق مع إيران، التي أصبحت هدفا معلنا للقيادة السياسية والعسكرية في تل أبيب. فما الذي دفع إسرائيل إلى إنهاء الحرب في غزة بهذا الشكل؟ ولماذا قررت نقل المعركة إلى ساحة أبعد وأخطر هي إيران؟

الحرب على غزة بخسائر مرتفعة ونتائج محدودة

سجلت الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل على قطاع غزة، والتي بدأت في أكتوبر 2023 واستمرت حتى مايو 2025، واحدة من أطول وأعنف المواجهات منذ سنوات، إلا أن نتائجها على الأرض لم تكن على مستوى الأهداف المعلنة.

ورغم الضربات الجوية والمدفعية التي استهدفت مواقع حماس والجهاد الإسلامي، ورغم العمليات الخاصة المحدودة التي نفذتها وحدات القوات الإسرائيلية داخل القطاع، لم تنجح إسرائيل في “تفكيك البنية العسكرية الكاملة لحماس”، كما صرّح بذلك قادر قادر الجيش أكثر من مرة.

بل على العكس من ذلك، استمرت الفصائل الفلسطينية في إطلاق الصواريخ على مدن الجنوب، ووصل بعضها إلى تل أبيب، ما أثار انتقادات داخلية حادة ضد حكومة نتنياهو التي وُصفت سياساتها بـ”المرتبكة وغير الحاسمة”.

وبالموازاة مع ذلك، ارتفع الضغط الدولي، خاصة من حلفاء إسرائيل التقليديين في واشنطن ولندن وباريس، حيث طالبت هذه العواصم بضرورة وقف العمليات العسكرية لتفادي كارثة إنسانية غير مسبوقة في غزة، وهو ما أدى إلى تآكل الغطاء السياسي الدولي للحملة العسكرية.

ومن جهة أخرى، تصاعدت التحذيرات من أن استمرار الحرب سيؤثر سلبا على خطط إسرائيل الاقتصادية، وعلى فرص إعادة تطبيع العلاقات مع دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، التي وضعت شروطا صارمة لأي تقارب جديد في ظل استمرار الحصار والهجمات على غزة.

تصريحات إسرائيلية.. “الخطر الإيراني يتقدم”

وفي حديث خاص للقناة 12 الإسرائيلية، صرّح مسؤول أمني رفيع قائلا: “لقد أنجزنا في غزة ما يمكن تحقيقه عسكريا، لكن التهديد الإيراني يقترب من أن يصبح خطرا وجوديا. لا يمكننا أن نغفل عن حقيقة أن طهران على وشك امتلاك القدرة النووية، وهي تسلح حزب الله بأسلحة لم نر مثلها من قبل. وأضاف في نفس التصريح: “الجبهة الشمالية والجبهة الإيرانية الآن هما الأولوية القصوى”.

إيران… الخطر الحقيقي الذي يفرض نفسه

في خضم هذا الانشغال الإسرائيلي بجبهة غزة، كانت إيران تتحرك على أكثر من صعيد لتعزيز موقعها الاستراتيجي في المنطقة، حيث عاد الملف النووي الإيراني إلى الواجهة بقوة، مع تقارير غربية تؤكد اقتراب طهران من تخصيب اليورانيوم لمستويات عسكرية قد تتيح لها إنتاج سلاح نووي خلال أشهر قليلة، وهو ما تعتبره إسرائيل “تهديدا وجوديا لا يمكن السكوت عنه”. وتم تعزيز الوجود العسكري في سوريا ولبنان، حيث كشفت مصادر أمنية عن نقل شحنات أسلحة نوعية لحزب الله، تشمل صواريخ دقيقة وطائرات مسيرة متطورة، ما ينذر بخطر اندلاع حرب متعددة الجبهات، فضلا عن زيادة الهجمات السيبرانية التي استهدفت بنى تحتية إسرائيلية، منها منشآت مياه وكهرباء، والتي أثارت قلقا بالغا في الأوساط الأمنية بتل أبيب. كما تم تحريك الوكلاء الإقليميين، من الحوثيين في اليمن الذين هاجموا سفنا إسرائيلية في البحر الأحمر، إلى الميليشيات العراقية التي باتت تهدد الوجود العسكري الأميركي والإسرائيلي في العراق وسوريا.

رد إيراني حازم: “لن نسمح بأي مغامرة”

وفي تصريح لوكالة “تسنيم” الإيرانية، قال الجنرال حسين دهقان، المستشار العسكري للمرشد الأعلى الإيراني: “أي اعتداء على المنشآت النووية أو السيادية الإيرانية سيُقابل بردّ شامل من جميع الجبهات. لدينا القدرة على ضرب كل نقطة في إسرائيل، من البحر إلى الشمال، وعبر وكلائنا المنتشرين في المنطقة، ولذلك على قادة تل أبيب أن يدرسوا جيدا عواقب أي مغامرة”.

وأمام هذا المشهد المتغير، جاء القرار الإسرائيلي بتحويل الجهد العسكري من غزة نحو طهران كخطوة اضطرارية لوقف تمدد النفوذ الإيراني، خاصة في ظل معلومات استخبارية تفيد بقرب إيران من إعلان مرحلة “السلاح النووي الجاهز”.

الأسباب المباشرة لاشتعال الحرب الإسرائيلية-الإيرانية

بدأت المواجهة عقب سلسلة ضربات إسرائيلية استهدفت مواقع نووية وعسكرية في عمق الأراضي الإيرانية، ردّت عليها طهران بإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة تجاه العمق الإسرائيلي، في أول اعتراف رسمي من الجانبين بانخراطهما في صراع مفتوح.

ورغم التحذيرات الدولية من التصعيد، اختارت طهران وتل أبيب خوض المواجهة، كلّ لأسبابه الاستراتيجية؛ فإسرائيل ترى في تحييد المشروع النووي الإيراني ضرورة لأمنها القومي، بينما تعتبر إيران أن الرد الصريح ضروري لردع خصومها إقليميا.

موازين القوى: تفوق جوي لإسرائيل مقابل تكتيك إيراني بارع في البر والبحر

شهدت الجبهة الجوية معارك ضارية، حيث استعانت إسرائيل بطائرات F-35 المتطورة لضرب منصات إطلاق الصواريخ الإيرانية ومواقع الحرس الثوري. وعلى الرغم من فاعلية “القبة الحديدية” ومنظومة “حيتس”، تمكنت عدة صواريخ إيرانية من الوصول إلى أهدافها في تل أبيب ومدن الشمال، موقعة أضرارا بشرية ومادية.

أما في البحر، فشهد مضيق هرمز والبحر الأحمر مواجهات محدودة بين سفن الطرفين، وسط تهديدات إيرانية بعرقلة حركة ناقلات النفط. ولجأت طهران إلى تكتيك “الزوارق السريعة” والمسيّرات البحرية لمضايقة السفن التجارية والعسكرية.

وعلى الجبهة البرية، لم تقع اشتباكات مباشرة، إلا أن الحرب بالوكالة استُخدمت عبر ميليشيات موالية لطهران في سوريا والعراق ولبنان، ما دفع إسرائيل إلى توجيه ضربات جوية استباقية لتلك الفصائل.

واللافت في هذا الصراع هو اندلاع حرب إلكترونية موازية، حيث تم اختراق أنظمة البنية التحتية في كلا البلدين. وأفادت تقارير إعلامية عن هجمات استهدفت محطات كهرباء ومنشآت نفطية في إيران، فيما تعرضت نظم الاتصالات والمصارف الإسرائيلية لمحاولات تعطيل واسعة النطاق.

موقف دولي بين القلق والترقب

أعلنت الولايات المتحدة دعمها الكامل لإسرائل، وذلك من خلال دعمها الاستخباراتي واللوجستي. وفي المقابل، طالبت روسيا والصين بضبط النفس، وأشارتا إلى ضرورة تجنّب حرب شاملة قد تهدد استقرار أسواق النفط العالمية.

وفي سياق مختلف، تتابع دول الخليج الصراع بقلق بالغ، خاصة مع اقتراب المعارك من الممرات المائية الحيوية التي تمر عبرها إمدادات النفط والغاز للأسواق الدولية.

الخسائر البشرية والاقتصادية منذ بداية الحرب الإسرائيلية-الإيرانية

منذ بداية الحرب الإسرائيلية الإيرانية ولحدود اللحظة، تشير معطيات دقيقة إلى سقوط أكثر من 300 قتيل وآلاف الجرحى من الجانبين، إلى جانب أضرار جسيمة في المنشآت الصناعية والعسكرية. وتوقفت جزئيا بعض الصناعات الحيوية في إسرائيل، خصوصا قطاع التكنولوجيا، كما شهدت الأسواق الإيرانية هبوطا حادا في قيمة العملة المحلية وسط توقعات بعقوبات اقتصادية إضافية.

السيناريوهات المحتملة على الحرب

يرى المحللون العسكريون أن الحرب قد تستمر لأسابيع إضافية، فيما يحذر مراقبون سياسيون من أن تطور الصراع قد يدفع نحو تدخل إقليمي أوسع يشمل أطرافا دولية بشكل مباشر. وفي ظل هذا المشهد المعقد، تظل جهود الوساطة محدودة التأثير حتى اللحظة، وسط تعنت الطرفين وغياب رغبة حقيقية في وقف إطلاق النار.

هل اقتربت الحرب العالمية الثالثة؟

رغم انتهاء العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، فإن المنطقة لم تبتعد عن شبح الحرب، بل ربما أصبحت على أعتاب مواجهة أكبر وأكثر خطورة مع إيران، ذات الأبعاد النووية والإقليمية. وفي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن ولندن وبرلين تهدئة الأجواء، تبدو تل أبيب وطهران في مسار تصادمي يصعب تفاديه ما لم تحدث معجزة دبلوماسية في اللحظات الأخيرة.

الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة: هل ستستمر إسرائيل في الحرب مع إيران؟ أم ستغير قواعد اللعبة؟ أم هي حرب استنزاف طويلة تهدد العالم؟ أم تسوية شاملة تنقذ الشرق الأوسط من الدمار الشامل؟

التعليقات مغلقة.