الانتفاضة // إبتسام بلكتبي // صحفية متدربة
في الوقت الذي ما تزال فيه مراكش تحتفظ بجاذبيتها السياحية العالمية، تواجه المدينة تحديات بيئية عميقة تهدد توازنها الطبيعي وقدرتها على الاستمرار كوجهة مستدامة. من ندرة المياه إلى الاستنزاف الطاقي، ومن التوسع العمراني غير المنظم إلى موجات الحر المتصاعدة، عدا عن هشاشة البنية التحتية، وضعف خدمات النظافة والنقل، تبدو المدينة الحمراء على مشارف أزمة بيئية حقيقية، لا يمكن تجاهلها.
وحسب وكالة الحوض المائي لأم الربيع، فإن مراكش تعاني من ضغط كبير على مواردها المائية، بفعل التغيرات المناخية وسوء التدبير، حيث تراجع منسوب المياه الجوفية في منطقة الحوز بمعدل يتراوح بين 2 و3 أمتار سنويا خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي القطاع السياحي على رأس المستهلكين للماء، إذ تستهلك الفنادق والمسابح والحدائق أكثر من 30% من المياه المتوفرة في المدينة، رغم أن السياح لا يمثلون سوى جزء صغير من الكثافة السكانية الفعلية.
ومع استمرار تراجع التساقطات، فيتوقع حدوث فجوة مائية تصل إلى 350 مليون متر مكعب سنويا بحلول سنة 2030، وفق تقرير المندوبية السامية للتخطيط.
حرارة مفرطة بالمدينة واستهلاك طاقي مرتفع
المدينة المعروفة بطقسها الجاف والمشمس أصبحت أكثر عرضة لموجات حر شديدة. ففي صيف 2022، سجلت مراكش درجة حرارة قياسية بلغت 48.1 درجة، ما دفع الأسر والفنادق إلى الاعتماد المكثف على أجهزة التكييف، وكانت النتيجة ارتفاعا في استهلاك الكهرباء بنسبة تجاوزت 35% خلال خمس سنوات، حسب معطيات المكتب الوطني للكهرباء والماء.
ورغم أن مراكش تتمتع بأكثر من 300 يوم من الشمس سنويا، إلا أن نسبة اعتمادها على الطاقة الشمسية لا تتعدى 5%، مما يجعلها عرضة لأزمات طاقية مستقبلية.
الزحف العمراني يهدد الأراضي الزراعية
خلال العقدين الأخيرين، شهدت مراكش توسعا عمرانيا متسارعا نحو ضواحي مثل السويهلة وتسلطانت وأكفاي، ما أدى إلى تقلص المساحات الزراعية المحيطة بالمدينة. ووفق وزارة إعداد التراب الوطني، تضاعفت مساحة المدينة الحضرية بنسبة 80%، مع فقدان أكثر من 1,200 هكتار من الأراضي الزراعية.
هذا الزحف العشوائي لا يهدد فقط الأمن الغذائي المحلي، بل يخلّ أيضا بالتوازن البيئي ويزيد من درجات الحرارة المحلية، بفعل تراجع الغطاء النباتي وازدياد المساحات الإسمنتية.
وفي مفارقة صارخة، حققت مدينة مراكش خلال عام 2024 رقما قياسيا جديدا في قطاع السياحة، حيث استقبلت حوالي 4 ملايين سائح خلال العام، في قفزة نوعية تمثل انتعاشا اقتصاديا واجتماعيا ملحوظا بعد سنوات من التحديات العالمية التي أثرت على القطاع.
كما سجلت مؤسسات الإيواء السياحي المصنفة في مراكش أكثر من 12 مليون ليلة مبيت، في مؤشر قوي على ازدياد مدة إقامة السياح وثقتهم في جودة الخدمات والبنية التحتية السياحية بالمدينة.
وفي السياق نفسه، ساهمت هذه الحركة الديناميكية في رفع عائدات السياحة الوطنية إلى 104.5 مليار درهم مغربي حتى نهاية نوفمبر 2024، بنسبة نمو بلغت 7.2% مقارنة بالفترة نفسها من عام 2023، بحسب أرقام رسمية صادرة عن وزارة السياحة المغربية.
وهنا يُطرح السؤال الحتمي: أين تذهب مداخيل مراكش السياحية؟ ومن يراقب صرفها؟
وكيف يمكن لمدينة تُضخ فيها أموال السياحة الأجنبية بهذه الكثافة أن تعاني كل هذا العجز البيئي؟
غياب الشفافية والمحاسبة، وتراكم الاختلالات في التسيير، يحولان دون توجيه هذه الموارد الحيوية نحو مشاريع البنية البيئية والمائية المستدامة التي تحتاجها مراكش بشكل عاجل.
التعليقات مغلقة.