وقفة مع آية “وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ…”

الانتفاضة // علاء جلال

آية قصيرة تحمل في طياتها درسًا عظيمًا من دروس الأخلاق التي لا تليق إلا بالمؤمنين إنها دعوة ربانية إلى التواضع، وإلى الانكسار الجميل أمام الناس، وإلى التعامل معهم بلين ورحمة هي دعوة للتخلي عن الكبر المذموم، ذلك المرض الذي يُفسد القلوب، ويُعمي البصائر، ويُبعد صاحبه عن رضا الله.
ابن كثير رحمه الله، حين فسر هذه الآية، أوضح المعنى بجلاء:
“لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك، احتقارًا منك لهم واستكبارًا عليهم”
إنها صورة للكِبر، أن ينظر الإنسان إلى غيره من علٍ، كأنه أعلى منهم مقامًا، وأفضل منزلة ولكن الإسلام يأبى على المؤمن هذه الصورة، ويأمره بأن يُلين جانبه، ويُبسط وجهه، ويُعامل الناس برفق وحسن خلق.
التواضع زينة الأخلاق، وجمال الروح التواضع يجعل المرء محبوبًا في قلوب الناس، ويُضفي على وجهه نورًا وهيبة. أما المتكبر، فإنه يعيش وحيدًا، مرفوضًا، مكروهًا في الأرض، وممقوتًا في السماء.
تأمل كيف كان حال النبي صلى الله عليه وسلم، وهو خير البشر، وسيد ولد آدم كان يُعامل الصغير والكبير بلطف، ويُسلم على الصبيان، ويُجالس الفقراء والمساكين، ويُمازح أصحابه دون أن يشعر أحد أنه أقل شأنًا لم يكن يرفع نفسه على أحد، بل كان يقول: “إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد”
الكبر، في حقيقته، علامة ضعف، وليس قوة إنه قناع يرتديه من يفتقد الأمن الداخلي المتكبر يخاف أن يُظهر نقصه، فيُخفيه خلف غطرسة زائفة ولكن الله يعلم خفايا النفوس، ويعلم أن الكبرياء حق له وحده، ومن نازعه فيه، أذله وحقّره.
“وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ” هي وصية لكل من يحمل في قلبه ذرة من الإيمان وصية بأن تكون قريبًا من الناس، بشوش الوجه، طيب المعشر، مهما كان منصبك، أو علمك، أو غناك الناس لا يُحبون من يُعرض عنهم، ولا من يراهم أدنى منه إنهم يُحبون من يُشعرهم بقيمتهم، ومن يُعاملهم باحترام.
كم من إنسان خسر محبة الناس بسبب كلمة متكبرة، أو نظرة مستعلية! وكم من شخص دخل القلوب بابتسامة صادقة، وكلمة لطيفة، وسلوك متواضع!
إن التواضع ليس فقط في التصرفات، بل هو انعكاس لما في القلب حين يُدرك الإنسان أنه عبد لله، وأن كل ما يملكه هو من فضل الله، يزول من قلبه الكبر وحين يتذكر أن الناس جميعًا متساوون في أصل الخلق، وأن الله ينظر إلى القلوب لا إلى الصور، يختار أن يكون متواضعًا.
فتأمل نفسك، وراجع حالك مع الناس هل تبسط لهم وجهك؟
هل تُعاملهم بود؟
أم أن في قلبك شعورًا بالتفوق عليهم؟
إذا وجدت أثرًا للكبر، فتذكر هذه الآية، واعلم أن الله لا يحب المتكبرين واجعل شعارك: “أنا عبد لله، وكل الناس إخواني، لا فضل لي عليهم إلا بالتقوى”
“وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ…”
هي دعوة لنكون بشرًا بحق، بوجوه مشرقة، وقلوب متواضعة، وأخلاق تعكس نور الإسلام.

التعليقات مغلقة.